أطفال التوّحد في اللاذقية بحاجة لمزيد من التقبـّل والمساعدة

العدد: 
9153
التاريخ: 
الأربعاء, 18 تموز, 2018
الكاتب: 
مهى الشريقي

هم أطفال أصحاء من الناحية الدماغية والجسدية، لكن لديهم خللاً وظيفياً بالسيّالة العصبية، لهم عالمهم الخاص بهم الذي يرفضه الكثير من أبناء المجتمع ومؤسساته، وللتعرف أكثر على هذا العالم كانت لنا زيارة لجمعية التوّحد في اللاذقية، وهي جمعية أهلية أشهرت في 24/8/2006 لتكون حاضنة لهذا النوع من الأطفال الذين لم تضق بهم الحياة، بل يُضيّق عليهم، بدل دعمهم وتقديم ما يلزمهم من الأساسيات على الأقل.

كانت البداية مع مديرة الجمعية السيدة مارينا سليم، وهي أم لطفل متوّحد في الجمعية، صوت قوي يدخل عمق المشكلة في إيصال كل ما يتعلق بواقع الجمعية، ما لها وما عليها، السيدة سليم تحدثت بلسان أمّ كل طفل متوّحد.
* قد تكون الغالبية على علم بالتوّحد، لكن لمن يقرأ هذا اللقاء، هل لنا أن نعرّف لهم التوّحد وصفات المتوّحد ولمحة عن عالمه؟
** التوّحد هو اضطراب نمائي عصبي، أو بمعنى آخر هو خلل بالسيّالة العصبية، يصيب الأطفال في السنوات الثلاث الأولى من العمر، مؤدياً لصعوبات واضحة في التفاعل الاجتماعي، والتواصل اللفظي وغير اللفظي، وسلوك الطفل واهتماماته، يُقدر انتشار التوّحد بنسبة من بين 500 طفل وتزيد نسبة إصابة الذكور عن الإناث من 1-4، أطفال التوّحد أصحاء وسليمون من الناحية الدماغية والجسدية، لكنهم أطفال نمطيون، يحبوّن التكرار ويمكن أن نوجز لمحة عن صفاتهم.
- تكرار الكلمات نفسها دون فهم معناها (صدى صوتي).
- لدى المتوحد حركات أو تصرفات غريبة كالمشي على رؤوس الأصابع، الرفرفة، حركات هزازة، حركات الأيدي.
- صعوبة التعبير عن احتياجاته حتى بالإشارة.
- الانعزال الاجتماعي وتفضيل الجلوس لوحده.
- لا يحبون تغيير المكان ويفضلون اللون الواحد، والتعلق بالأشياء التي تعودوا عليها، يقاوم التغيير في الروتين.
- نوبات صراخ وغضب وبكاء لأسباب غير واضحة.
- ضعف في إظهار العواطف، وحساسية زائدة للأصوات.
- عدم الإحساس بالألم أحياناً، وضعف التواصل البصري والسمعي لدى البعض.
- اللعب بطريقة غريبة كتدوير الأشياء غير المخصصة للدوران.
ليس من الضروري أن يتصف المتوحد بجميع هذه الصفات، ولكنها أكبر عدد ممكن من الصفات التي قد يتصف بها لفترة طويلة نسبياً.
* لننتقل إلى الجانب الخدماتي وما تقدمه الجمعية للأطفال المتوحدين؟
** خدمات الجمعية كلها مجانية ويمكن اختصار بما يلي:
- التشخيص أو الكشف عن الأطفال المصابين باضطراب التوحد.
- ورشات عمل لأمهات المتوحدين، لتعليمهن كيفية التعامل مع التوحد وأطفالهن ولتقديم الوعي تجاه التعامل، ونشره مجتمعياً والتعريف به بشكل أكبر وأسلس، وفي هذا السيّاق نقوم أيضاً سنوياً بمسير توحد لنشر الوعي ليس فقط لأطفال الجمعية وأمهاتهم بل في كل المجتمع عامة، ونقوم بدورات تدريبية لإعداد كوادر جديدة للإشراف على صفوف الجمعية، وهناك فريق داخلي من المتطوعين يساعدنا في إنجاز الخدمات والمهام على أكمل وجه في الخدمات الهامة أيضاً تصميم برنامج تربوي فردي، لكل طفل في المركز برنامجه الخاص الذي يطبق بالتعاون مع أسرة الجمعية ومتابعة تطور كل طفل من خلال تقييمات دورية.
وكانت هناك خدمات التواصل والرسم والموسيقا والرياضة والكمبيوتر، وكل تلك الخدمات تراجعت بسبب الظروف التي مرت بها البلد، ولم يتبق منها إلا الرياضة والتواصل، ونأمل على استعادتها قريباً حيث سيتم الانتقال إلى مبنى جديد قريباً.
تضم الجمعية خمسة صفوف وكل صف يحوي خمسة أطفال، وهناك أطفال على لائحة الانتظار، تضم الجمعية كادراً من المعلمين والمشرفين من حملة الشهادات الجامعية، ومؤهلين للتعامل مع التوحد من خريجي الإرشاد النفسي أو التربية أو اختصاصات أخرى، أشخاص خضعوا لدورات وتدريبات ليكتسبوا خبرة في التعامل مع أطفال الجمعية.
* لا شك أن لديكم صعوبات كثيرة، وأنتِ على علم بها بشكل أكبر كونك أماً لطفل متوّحد في الجمعية، فما هي هذه الصعوبات؟
** في الحقيقة هناك قبل الصعوبات ألم ووجع داخل كل أهل لطفل متوّحد، وخاصة الأمهات، فناهيك عن صعوبات الأهل في تقبل المجتمع لولدهم المتوّحد والمعاملة غير اللائقة التي يُعامل بها في الكثير من مؤسسات الدولة، فالطفل المتوّحد مرفوض أن يُدمج في الكثير من المؤسسات الحكومية كالمدارس والنوادي وحتى في القطاع الخاص، ليس هناك تقبل لهذا الطفل الإنسان الذي أتى إلى هذه الحياة، وعليه أن يعيشها، أن يفرح بها، وأن يكون هناك اهتمام به، صحيح أنه لا يذهب إلى المدرسة ولكن يمكنه التعلم، ويمكن الاعتماد عليه، ولو يستطيع التعبير لقالها بصوت عالٍ أنا موجود، ويمكنني القيام بالكثير، ثقوا بمقدراتي فلماذا لا يتم تخصيص مدرسة لهم، ونادٍ رياضي، نادٍ ترفيهي ولو كان مأجوراً، مركز ذو مساحة خضراء لتفريغ نشاطات هؤلاء الأطفال، لا حقوق في الدولة لهؤلاء الأطفال فهم لا حق لهم في الميراث مثلاً، ولا حق لهم في الخدمات الصحية، وفي حال فقدوا أهلهم أو أقرباءهم ولا وجود لمن يرعاهم لا يوجد دار حكومي يتبناهم، أوجاع الأطفال المتوحدين كثيرة تبدأ ولا تنتهي ونتمنى أن تلقى الدعم لأن مطالبهم محققة وعلى الدولة رعايتهم لأنهم أبناؤها، ويمكن أن يقدموا لها عندما تهتم بهم.
أيضاً كانت لنا وقفات مع المعلمين في الجمعية ليحدثونا عن تجاربهم مع أطفال التوّحد فماذا قالوا؟
* داليا قبرصلي معلمة رياضة فردية وأم لطفل متوحد قالت: أنا في الجمعية منذ عام 2009 أقوم بتدريب كل طفل بدوره على تمارين لتفريغ الطاقة وتخفيف فرط النشاط، والحد من نوبات الغضب عند المتوحد، وكل التمرينات تصبّ لمصلحة المتوحد وتقوية العضلات لديه سواء يديه، رجليه، إلخ، وللرياضة دور إيجابي وهام جداً للتخفيف من العدوانية والغضب والصراخ والبكاء، مبنى الجمعية غير كافٍ للقيام بالنشاط الرياضي، ونتمنى أن يكون هناك نادٍ رياضي ولو مأجور، المهم أن يكون آمناً لتفريغ طاقات المتوحدين السلبية ومساعدتهم، وفي الحقيقة لدى البعض منهم طاقات جسدية كبيرة وهائلة، وأذكر هنا كمثال من الجمعية كنان خوندة  وهو بطل على مستوى الجمهورية في مسابقة السباحة لذوي الاحتياجات.
* اليمامة عبود- خدمات مساندة فردية- معلمة تواصل نطق عن تجربتها قالت: تجربتي في الجمعية جميلة، وأحبها لأنها في البداية كانت تطوعاً لما يقارب ثلاثة أعوام، واختصاصي في كلية التربية يساعدني على إنجاز المهمة بشكل أسلس، هناك أطفال متوحدون، لديهم قدرات خارقة تفوق الشخص العادي، أو الطفل الطبيعي، لبعض المتوحدين ذاكرة وذكاء تفوق الخيال فتراهم خلاقين، مبتكرين يخترعون أشياء خاصة بهم ليلعبوا بها، ولكن هذه القدرات الخلاقة ينقصها الدعم المادي، ودعم المجتمع.
مهمتي معهم أن أعلمهم النطق فهناك برنامج لطفل ناطق برنامج لطفل غير ناطق بالصور /بيكس/ ويعتمد على تعليم الطفل النطق بالصور.
بالنهاية للمتوحدين طاقات خلاقة، ولكنها مكبوتة علينا إخراجها لأنهم دون مساعدتنا لا يمكنهم ذلك.
* شاهر يوسف معلم تربية خاصة صفيّة: تطوعت في الجمعية في البداية لمدة أربع سنوات، والأن أصبحت واحداً من أسرة الجمعية وكادر العمل ضمن الصف، طبيعة عملي في مجالات اجتماعية كزيارة التشاركية مع الآخرين أو رفاق الصف عند المتوحد، وفي مجال الاستقلالية الذاتية ليصبح المتوحد قادراً على خدمة نفسه يومياً كتعليمه كيف يلبس، يأكل، ومهارات حياته اليومية الأخرى، وهناك مجالات الحركة التعليمية الرقص والغناء، ومجال الحركات الدقيقة حيث يتم تعليمه التآزر الحسي الحركي لمساعدته على التركيز، والمجال الأكاديمي لتعليمه مثلاً إمساك القلم وكتابة جملة من كلمتين أو ثلاثة على الأكثر كمعلم داخل الصف تلك هي المجالات التي أقوم بها وكلها مجالات معرفية لخدمة المتوحد وتسهيل حياته اليومية.
بقي أن نقول:
بالإصرار والإدارة وبمساعدة أمهاتهم وبعض الأصدقاء يواجه المتوحدون قدرهم،
يعانون صعوبات كثيرة ذكرناها، أبرزها تأمين نوادٍ رياضية ومساحات خضراء ولو مستأجرة، لكن للأسف ليس هناك أقل نوع من أي دعم هم بأمس الحاجة إليه، هي جمعية أهلية، لكنها تابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية فهل تلقى هذه الجمعية بعض الدعم وبعض الحلول البسيطة كتخصيص  بعض الاعتمادات ولو قليلاً لمثل هؤلاء الأطفال الذين هم بأمس الحاجة للدعم على أنواعه الصحي والنفسي واللوجستي والمادي.
هم أطفال لا يستطيعون المطالبة بحقوقهم لكن أصواتهم وصلتنا عبر أصوات أمهاتهم وكأنهم يريدون القول: اهتموا بنا، لا يمكننا الذهاب إلى المدرسة لكن يمكننا التعلم، لدينا مقدرات وطاقات كبيرة جداً يمكنكم استثمارها ويمكنكم الاعتماد علينا، نحن موجودون ولنا حقوق فهل يمكنكم إنصافنا؟