بسام جبلاوي يقلّب أصل ومعنى أســــماء اللاذقية

العدد: 
9149
التاريخ: 
الخميس, 12 تموز, 2018
الكاتب: 
بسام نوفل هيفا​

إنَّ الحديث عن مدينة عريقة، موغلة في أعماق التاريخ كمدينة اللاذقية، أمرٌ يتطلب معرفة الكثير والبحث والتنقيب .. فهي أشبه بمحيط واسع المدى، عميق المضمون، كثير الخلجان، يمتد بجذوره في قاعٍ بعيد جداً، كلما توغلت فيه شعرت برهبة شديدة، أمام ما تملكه اللاذقية من ثراء في نسيجها العمراني وأوابدها الأثرية، ومعالمها وقامتها التاريخية، وما شهدته من حضارات وثقافات، وشخصيات اشتهرت بانتمائها إليها، إقامة، أو ولادة، أو وقفة لقاصديها ما جعل منها محطة أكثر بروزاً على مسرح الإنسانية. . فاللاذقية من أقدم المدن الواقعة على البحر المتوسط.

 

 في محاضرته الأخيرة التي ألقاها الباحث في التراث والتاريخ الأستاذ بسام جبلاوي في ملتقى الدعتور الثقافي بعنوان (أسماء اللاذقية في الأصل والمعنى) بدأها بالقول:
 . . تعتبر اللاذقية معرضاً لآثار متطابقة الواحدة فوق الأخرى لجميع الحضارات والمدنيات المختلفة التي عاشتها اللاذقية، أو مرّت بها. . ومن هنا تبرز أهميتها الأثرية بطابعها الشرقي العريق ومعالمها الحضارية والأثرية.
يمتد تاريخ اللاذقية إلى عصر ما قبل التاريخ، أي منذ العصر الحجري القديم، وقد دخلت هذه المدينة التاريخ منذ أن كان اسمها (ياريموتا) في عصر البرونز الحديث /1600-1200/ق.م.
 اشتهرت كمركز تجاري يربط عالمين هما: عالم الشرق وعالم الغرب. كما اشتهر أهلها بالجود والكرم، وهم يتمتعون بالذوق والطيبة والشهامة.
وعن أسماء اللاذقية والصفات (الألقاب) التي أطلقت عليها، ذكر الباحث جبلاوي أكثر من عشرين اسماً ولقباً، أورد منها الأسماء الآتية: ياريموتا (الإله السامي)، راميتا (المرتفعة)، كيكنا (بلاد الأرجوان)، مازبدا (الأنشراح والسرور)، لوكي أكته ( الشاطئ الأبيض)، لاوذيكيا (الضوء الساطع)، لاويسا أدمير (الكريمة الموقرة)، اتحاد المدن الشقيقة الأربعة يعني /سيلوسيد/ أي (القوة) وهذه المدن هي: أنطاكية، سلوقية، أفاميا، اللاذقية.
 جوليا (الجميلة العذبة)، لاليش (خميرة الأرض- النور والضياء، لاذقية العرب..
بعد المقدمة التاريخية لتأسيس هذه المدينة (اللاذقية) وتطورها منذ أكثر من ألفي عام قبل الميلاد، إضافة إلى ذكر الموقع الجغرافي لها بشيء من التفصيل والإثراء في شرح التفاصيل بتثبيت أسماء المصادر والمراجع التاريخية والجغرافية في بحثه حرصاً على النقل بأمانة ودقة وفق متطلبات البحث العلمي وإسناد المصادر والمقتبسات إلى أصولها.. نجد أنّ الباحث جبلاوي قد توقف – كما أشار إلى ذلك - عند ثمانية أسماء من الأسماء والألقاب المتعددة لمدينة اللاذقية، واستفاض في شرح كلّ منها في فصل كامل مستقل ضمن وحدة النص العام للمادة العلمية، متوخّياً الدقة بكل اهتمام وعناية والتراتبية التاريخية في عرض المادة مع ذكر حيثياتها بمجمل التفاصيل والوقائع والأحداث  مع جغرافية المكان وأسماء الأشخاص والرجالات الذين تزامنوا وكان لهم حضوراً تاريخياً مع كل مرحلة من مراحل تطور اللاذقية عبر العصور، من خلال انتقالها من اسم أو لقب إلى آخر.
 في مؤلفه المخطوط (عنوان المحاضرة) الثري بمادته العلمية وحصاده الفكري. . الأستاذ بسام جبلاوي يختتم حديثه بفصل بعنوان (أهل اللاذقية وثلاثة من قادة التاريخ وصناعه) يقول: لقد وقع هجوم الفرنجة الأول على اللاذقية تحت عنوان (الحروب الصليبية في 19 آب 1097م)، بعد مضي مدة تزيد عن تسعة عقود، أدرك الإفرنج عبث القتال أمام جيش صلاح الدين، فرفعوا رايات الاستسلام يوم 22 تموز 1188م.
وفي تمام الساعة الحادية عشرة من صباح يوم 22شباط 1958، رفع علم الجمهورية العربية المتحدة على دار الحكومة باللاذقية. . وفي الساعة الثالثة والنصف من بعد ظهر 28 شباط 1958، وصل جمال عبد الناصر اللاذقية، وأطلّ من شرفة نادي الضباط المطلّة على الساحة الكبيرة، محيياً الجماهير المحتشدة ومساء يوم الاثنين 11 كانون الثاني 1971، وصل السيد الرئيس المؤسّس حافظ الأسد إلى اللاذقية، وفي صباح يوم الثلاثاء 12 كانون الثاني 1971، زحفت جماهير اللاذقية في مسيرة شعبية كبرى، وكان موعد اللقاء مع القائد المؤسس حافظ الأسد الذي أطلّ على الأمواج البشرية المتلاطمة، من شرفة نادي الضباط يحيي الجماهير المحتشدة فرحاً بقدومه.
بقي للقول: إنَّ ما استعرضه الأستاذ بسام جبلاوي في محاضرته هذه، وإذا ما أضفنا صوراً مرافقة وملاحق تتعلق بفصول البحث عنوان المحاضرة فإننا نحصل على كتاب لا يقلّ عدد صفحاته عن /100/ صفحة وأكثر، صرف الباحث من أجله مزيداً من الوقت وأولاه جلَّ اهتمامه، متتبعاً في بحثه هذا، خطوات النهج العلمي ومتطلبات وضع الرسائل العلمية وإنجازها.. لا شكّ أنها مستقبلاً ستكون مشروع كتاب مطبوع عند توفّر ظروفه كلها.. لقد أتحفنا المحاضر بما قدّمه، نتمنى له التوفيق والنجاح..
 وهكذا تبقى اللاذقية عروس البحر، المدينة التي لا تنام، تتمتع بإرثها التاريخي والحضاري المتنوع بين الجمال والصفاء، هي تلك المدينة العتيقة كما وصفها ابن بطوطة، تبقى من أروع ما يسكن إليها العقل لتجاوز مشقّات الحياة، هي لمسة وفاء لتاريخ حافل وحاضر مجيد، هي مزج بين طبيعة خلابة وعمران يجسد الحضارة وقيمتها.
 

 

الفئة: