بحر الأبجدية ... فبركة المعجزات

العدد: 
9149
التاريخ: 
الخميس, 12 تموز, 2018
الكاتب: 
ناصر هلال

قد لا تكون اللعبة، أو الصفقة، أو الخديعة، التي حدثت في قرية مجاورة لقريتنا منذ أيام . . هي الأولى من نوعها، ولن تكون الأخيرة بالتأكيد، طالما هناك دائماً من يجيد العزف على أوتار الطقوس والعادات، ويتقن فنّ حبك ونسج خيوط الصفقات، ويحسن الضحك على عقول الناس.. وجرّهم إلى ساحة ملعبه، والتمهيد لشل إرادتهم بتقديم مجموعة من المنكّهات والمقبّلات الإيمانية . . . التي ترضي تطلعاتهم، أو حلهم برؤية معجزة، من جهة، وتسمح له بالتالي من توجيه عقولهم إلى حيث يشاء ويريد، من جهة ثانية، من دون عناء يذكر.
فامتطاء ظهور الغيبيات، واللعب على جبال الطقوس والعادات، وما بات يشبه الفلكلور أو التراث الشعبي . . من حيث رسوخه  في أذهان الناس كقيمة أخلاقية ووجدانية لا يجوز المس بها. وهذه الظاهرة، أو الخاصيّة، المتوارثة جيلاً بعد جيل، لا يمكن حصرها في مكان دون مكان، أو زمان دون زمان، أو دين دون دين، أو معتقد دون معتقد، أو حتى طائفة دون طائفة، وإن تفاوتت فيها درجات التصديق إيجاباً، أو سلباً، وذلك تبعاً للمفهوم العام لهذه الحالات، والعرف الاجتماعي، والموروث الثقافي، فالجميع قد يخضعون في لحظة ما لمثل هذه الحالات، وينشدون من خلالها الراحة والاطمئنان، ولو على حساب الحقيقة التي ستأتي لاحقاً، كما هي العادة دائماً، وكما حدث واقعاً حيّاً مع ذلك المحتال الذي أبرم اتفاقاً مع عقله المريض، أو مع أحد ما لا يقل عنه مرضاً . . وادّعى ما بات يعرف بالمعجزة التي حدثت في /وقف الشيخ/، والتي على أثرها تم شفاء طفل مصاب بالشلل بعد زيارة ضريح أحد الأولياء يقال له: الشيخ سلمان. وقبل أن يخطو الطفل الخيال أو المخترع، في المعجزة الخيال، أو المخترعة، خطوة خيالية واحدة، انتشرت أخبار المعجزة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، انتشار النار في الهشيم. وخلال ساعات قلائل وكان الوقت ليلاً غصّ المكان بالحشود القادمة من مختلف الأماكن في محافظة طرطوس. وهذا يدل على خطورة وسائل التواصل الاجتماعي في بعض حالاتها السلبية، ومقدرتها على تأجيج المشاعر العامة ونقلها من حالة التروّي، وتحكيم العقل، إلى حالة الانفعال العاطفي، وتصديق الوهم، تماماً كما فعل السيد خ. إ الذي كتب على صفحته الخاصة ما يشبه المنشور الدعائي الذي يشيد ويعظم، ويضخّم من قيمة هذه الحادثة . . من دون الانتظار قليلاً للتأكد من صحتها.
إن ما كتبه خ. إ وغيره من الذين يتباهون بنشر الإشاعات وتضخيمها . . دفع بالمئات من الناس لزيارة ضريح صاحب المعجزة، أو الذي نسبت إليه المعجزة، وهو منها براء.. وغمروه بالأموال الطائلة.. هذا عدا عن عشرات المرضى الذين ينشدون معجزة خارقة تنقذهم من مرض شلّ جيوبهم، بعد أن شلَّ أجسادهم.
إن هذه الحادثة المفبركة التي أسموها زوراً وبهتاناً معجزة وألصقوها بمزار له احترامه وتقديره عند الناس . . مهما تراجع منسوب الإيمان بها بعد كشف حقيقتها، ومحاولة من ابتدعها إيجاد الطرق السالكة لاحتواء مفاعيلها، والتملص من تبعاتها، تارةً بنسبها لوالد الطفل المشلول، القادم من قرية المنطار، وتارة لحلم رآه، وتارة أخرى نقل الحلم من رأسه إلى رأس زوجته، تهرباً من المسؤولية، والخروج من هذه المعمعة بشيء من كرامة تسمح له بمواجهة الناس ورأسه أعلى قليلاً عن مستوى صدره .
في جميع الأحوال ومهما كانت الذرائع والمبررات التي ساقها مُفبرك الحادثة بهدف جمع المال والجاه، فإن المسؤولية العامة تلاحقه أخلاقياً واجتماعياً، وتضعه في صفّ الذين استغلوا الظروف الراهنة التي يمر بها الوطن، وتصيدوا أسماك الحرام بشباك من غش، وفساد وخداع. وكل ظنّهم إنّ الحبل المرخى لهم . . لن يلتّف على أعناقهم . . أو يربطهم كالدواب على معالف شهواتهم.