جــرحانا.. خنســـاء من وطــني

العدد: 
9147
التاريخ: 
الثلاثاء, 10 تموز, 2018
الكاتب: 
كفى كنعان

الجريحة البطلة الدكتورة (هلا عبد الرزاق منصور) نعرف حجم حب الوطن من خلال حجم التضحية التي قدمت وتقدم على مدى سبع سنوات، درسنا عن خنساء واحدة ضجّ بها التاريخ والآن آلاف الأمهات والأخوات السوريات توّجن كخنساوات لعصرهن (والشهيدة الحية الدكتورة هلا عبد الرزاق منصور) خنساء من وطني تشرفت بلقائها وتهنئتها بصمودها وعزمها وسلامتها لتروي لنا حكاية إصابتها التي تستحق أن يسجلها التاريخ في أنصع صفحاته، وتكون عبرة تقتدي بها الأجيال في عشق الوطن، هلا طبيبة أطفال من مدينة القرداحة تمارس عملها المهني والإنساني في مشفى جبلة مواليد عام 1987 متزوجة وترجو طفلاًُ يملي عليها حياتها، وهي من كانت أماً لأطفال كثر كانت تهتم بعلاجهم في مشفاها وبعد مرور خمسة وثلاثون يوماً على زواجها وبتاريخ 23/5/2016 موعد مناوبتها في المشفى دوّى صوت انفجار قوي هزّ أرجاء المدينة لتسرع إلى الإسعاف، بعدما علمت ورفاقها بانفجار وقع في كراجات جبلة ليكتظ المشفى بالمصابين والمنقذين، وما هي إلا دقائق معدودة حتى طالت يد غدرهم المشفى بتفجير آخر فوقفت قليلاً لتملأ الدموع عينيها، وهي تسترجع ذلك اليوم المشؤوم وتابعت قائلة: تضرّعت إلى الله تعالى بالسلامة لي ولمن حولي وبعد صحوتي نظرت لأرى آثار الخراب والدمار والجثث المحروقة، نظرت إلى نفسي والحروق تغطيني كاملة، تمالكت قواي ووقفت لأمشي بضع خطوات إلى الإسعاف لأراه مهدّماً بالكامل ناديت بأعلى صوتي لأرى رجال الأمن وعناصره ينقذون من كتب الله لهم الحياة، وقاموا بإسعافي إلى مشفى تشرين الجامعي ليكون باستقبالنا كادر طبي كامل ويضعني في غرفة خاصة، لأرى الجميع من أهلي وأقاربي وأصدقائي وملامح والدتي حائرة مرتبكة خائفة، وملامح زوجي التي تنطق باللهفة والحيرة ابتسمت في وجههم، وهدّأت من روعهم لأخبرهم أني بخير لتبدأ رحلة العلاج المريرة المليئة بالألم والوجع، حروقي كانت من الدرجة الثانية والثالثة بقيت في المشفى عشرة أيام ومنها إلى مشفى المجتهد بدمشق بإشراف مديرية الصحة مكثت فيه أربعة أشهر أجريت خلالها عمليات كثيرة ترميم وطعوم جلدية مع وجع ليس له حدود، بقيت حوالي 35 يوماً في مرحلة هذيان من شدة الحرارة، وكل هذا الوقت الذي أحسب اليوم بعمر كامل وأنا طريحة الفراش لا استطيع الحراك فقدت من وزني حوالي عشرين كيلو غراماً لتبدأ بعدها رحلة العلاج الفيزيائي على يد المعالج حسين هديوه، والذي كان بمثابة الأخ والصديق وله دور كبير في مواجهتي المجتمع والاعتماد على نفسي، وهنا أود أن أتوجه بالشكر الجزيل والعرفان بالجميل لكل من ساندني، وأخص بالذكر زوجي الذي لم يتغير من ناحيتي، وكان سندي طيلة فترة علاجي، وأمي وجميع أقربائي الذين وقفوا بجانبي من أطباء وأصدقاء، والتحية الأكبر للمقاوم السوري الأول سيادة الرئيس الدكتور بشار الأسد الذي كان ومازال مثلي الأعلى كشابة سورية طبيبة في الصمود والتحدي والتحصيل العلمي وحب الوطن والثقة بالنصر، والذي أحاط جرحانا بكل الاهتمام والدعم والرعاية، وخاصة جرحى تفجيرات جبلة، حيث وجهّ مباشرة بالدعم اللامحدود للجرحى وتقديم كافة مستلزمات العلاج في جميع المشافي العامة والخاصة مجاناً طيلة فترة علاجهم، ونحن شباب سوريون نقتدي به في هذا المشروع الوطني، ونسير خلف قيادته الحكيمة لتحقيق النصر وإعادة إعمار سورية، والجدير بالذكر أن الدكتورة هلا بعد معافاتها قطعت استراحتها المرضية وباشرت عملها في مركز العلاج الفيزيائي بمدينة القرداحة مقدمة الدعم النفسي والعلاج الفيزيائي لكافة المصابين وتعمل حالياً منسقة مع فريق عمل برنامج جرحى الحرب وإن إصابتها هي قضاء وتكريم من الله ووسام شرف تفتخر به.
 المسؤولة عن برنامج جرحى الحرب الدكتورة منى قنوع قالت: الدكتورة هلا تجسد أنموذجاً لمقولتنا (تفجيراتهم لم تقتل فينا الحياة بل فجّرت فينا إرادة الحياة وحب الوطن، هلا نموذج عن فتاة العربية السورية التي انتقلت من مرحلة الألم إلى مرحلة الأمل، امتلكت إرادة قوية سخرتها لجرحانا بمنطقة القرداحة مقدمة الدعم النفسي لكافة الجرحى أحيي فيها روح الإرادة، وما قدمناه لها من خدمات ليس من باب مريض يحتاج خدمة وإنما هي حق مكتسب لها، وإنشاء الله كفريق عمل مستمرين مهما حصل ومن تجاربنا الأليمة نستمد القوة إلى ما شاء الله .
ختاماً أقول: من أتقن الصبر لن تكسره الحياة، ومن عرف قيمة الحب تهون عليه التضحيات، ومن تقاسم السعادة مع الآخرين أحسّ بقيمة الإنسانية ليكون النجاح حليفاً، ويكون إنجازه رسالة في الأمل والصمود وحب الوطن، عشتم وعاشت سورية.