التّعبير الأكمل

العدد: 
9147
التاريخ: 
الثلاثاء, 10 تموز, 2018
الكاتب: 
نعيم علي ميّا

جميعنا مجتمعون على أنّ الجمع لا يفّرق إذا أراد الجمع أنْ يبقى مُجتمعاً على ما اجتمع عليه إجماعاً واجتماعاً، ولأنَّ الفرد لا يحيا إلاّ ضمن الجماعة التي هو منها، وبه تتشكّل وتصبح ذات مكانةٍ وشأنٍ عظيمين، فالجماعة البشريّة اجتمعت على مجموعةٍ من القيم الإنسانيّة التي حدّدتها لذاتها وشرَّعتِ القوانين النّاظمة لتطبيقها، ومخالفة كلّ مَن يخرج على قانونها أو عُرفها، ويبقى المرء - ما بقي حيّاً– يسعى أنْ يكون المحرّك أو المحرّض لسلوك هذه الجماعة إيجابياً أو غير إيجابيّ، لأنّه مؤمنٌ بقدرته على الابتكار والإبداع العظيمين اللذين يجعلانه متمّيزاً عن باقي الكائنات التي كانت بأمر ربّها من أسباب سعادته والتي سُخِّرَتْ لخدمته.
ويبقى السّؤال الأعظم.. هل أدرك الإنسان حقيقة أنّه الأعظم والأمثل والأجدر بأنْ يكون على ما رُسمَ له وأُريدَ؟ أيْ هل الإنسان بأعماله وأفعاله وسلوكاته يعمل على ترجمة الحقيقة الأبديّة والغاية البيّنة مِن تسخير الكائنات لخدمته؟
إنّ الإنسان لم يكن على هذه البسيطة إلاّ ليحيا حياةً بسيطة وجميلة وهانئة، ولا أعني أو أرمي بقولي (الحياة البسيطة) أن يكون الإنسان بعيداً عن الأمل والغاية والطّموح.
لا يستطيع المرء منّا أنْ يُنكر أنّ الإنسان أخو الإنسان، به يكمُلُ، وبه يصعد مدارج العُلا فيصل إلى نفسه الأعلى التي هي في أخيه المرسوم بريشته الأولى وحقيقته الكُبرى، تلك الحقيقة التي لا يُمكن لها أنْ تغيب عن أذهان العقلاء الذين امتلكوا العقل وأدركوا أنّه الوسيلة للوصول إلى المعرفة المفضية إلى أنَّ الإنسان يمكن له أنْ يعرف أكثر ممّا يتصوّر، وبمقدوره أنْ يُدركَ أكثر ممّا يدور في مخيّلته ويتخيّل.
نعم إنّه الإنسان السّاعي إلى المجد العلي حيث الإنسان الأعلى والأبقى والأنقى، الإنسان الذي آمن بأنّه فرد في جماعة، وأنّ الجماعةَ مجموعة أفرادٍ، تتشكّل به، وتدور حوله، وتسعى لإبقائه ما بقيت الحياة، وبقيتْ البشريّة على وجه الأرض، إذْ إنّ الاستمراريّة تنبع من الإيمان بأنّ العمل الذي يقوم به الإنسان هو من أجل المستقبل الآتي حيث الغد المشرق،  المزهر، الغد الحرّ الكريم، الذي يعيش فيه الإنسان لأجل أخيه الإنسان، وكما سخّر الله له الكائنات يعمل هو على تسخير ذاته لتحقيق ذاته في ذات الآخر ليعود هذا الآخر إليه عندما يجد نفسه قد عادت إلى نفسه وحقّقتْ غايتها من التّعبير والتّمثيل، حتى وصلتْ إلى التّمظهر والتّشكّل وأنتجتْ ما إليه سعى وابتغى.
هذه الكلمات التي أطرحها لستُ أبغي منها إلاّ أنْ أعودَ وأَجِدَ ما فقدتُ من أشياء كانت ملء يدي، والآن لا أدري بأيّ طريقة سأُعيد ما أضاعته يدايَ حتى أصبحتُ بلا ظلِّ أمشي، بل بلا فيءٍ أفيءُ إليه وأستظلُّ به، فأنتَ يا أنا الذي خرج منّي وما عاد إليَّ ليعرفَني ويُعرّفَني بأنّي لا أَقوى على أنْ أعيش بلا ظلِّ ولا فيءٍ، وأنا السّاعي أنْ أكون الصّورة الأولى للمخيّلة الأولى في النّشأة الأولى، فكلُّنا حفاةٌ خُلقنا في النّشأة الأولى، ولأنّنا على هذه الصّورة خُلقنا فإنّنا مدعوون إلى أنْ نخلع النّعل ونمشي بلا قدمين إلى أنفسنا،وأنْ ننظر بلا عينين إلى صورنا، علينا أنْ نحلّق في فضاءاتنا التي وسِعَتْنا وما وَسِعْنا نحن بعضنا ولا تركنا لغيرنا في قلوبنا متّسعاً.
يا أخي الذي أريده أنْ يكون أخاً أشدّ به أزري،أَقوى به على أيّامي وقبلَ ذلك على نفسي، لأشعرَ بأنّي لستُ وحيداً في هذا العالم الرّحب، الذي أجده قد ضاق على وجودي وأصبحتُ غير موجود في عالم الوجود الأكبر، فهل أنا الإنسان الذي كنتُ الصّورة التي أرادها ليرى بها نفسه، ويُباهي بها خلقَه؟
يا أنتَ الذي كنتَ منّي كما كنتُ أنا منه، علامَ يُقصي بعضُنا بعضَه؟
وعلامَ نعيش في ظلمة العتمِ؟         

 

الفئة: