عذاب الضمير

العدد: 
9146
التاريخ: 
الاثنين, 9 تموز, 2018
الكاتب: 
عيسى موسى موسى

ضمير الإنسان يختلف من شخص إلى آخر، اختلاف بصمة الإبهام، وملامح الوجه ولون العينين، وقصر وطول القامة، وعمر الإنسان على الأرض، وحصته من نعم ربّ السماء، وقلبه المملوء بالمحبة والإيمان، فيعود ذلك لأصالته ونقاء وصفاء نواياه السليمة ولطهارة الحليب الذي رضعه من ثدي أمه ولجذور شجرة العائلة ولمبادئه التي تربّى وشب ّوشاب عليها على مائدة الخير والكرم، ولفتح نوافذ وأبواب منزله المضياف على مصراعيه لينام قرير العين ومرتاح الضمير التي هي نعمة غالية الثمن؟ متى يرتاح ضمير الإنسان؟ عندما يقوم بواجبه على أكمل وجه ويؤدي عمله بشرف وإخلاص وتفانٍ، ويلتزم بالمسؤولية الملقاة على عاتقه، وبالتعامل مع الجميع سواسية، ولا ينحاز عن طريق الصواب، ويفرق ما بين هذا وذاك لأنهم أخوة في اللحم والدم وفي الوطن والوطنية بما يمليه ضميره الحي، وله بصمته الواضحة في أعمال الخير في شتى ميادين الحياة.
أمّا صاحب الضمير الميت قلبه مشحون بالغدر والكراهية والخيانة والانتقام التي حدها أمضى فتكاً من حدّ السيف في بتر الرقاب وخطف الأرواح، وهذا كفر وإلحاد بربّ السماء والأرض، قتل الأطفال والشيوخ والنساء بسلاح الأشقاء، وإشعال نار الحرب والفتنة بين الطوائف والأديان وحرق وسرقة خيرات وثروات البلاد والعباد. كما جرى ويجري في بلدي سورية منارة العالم وما التهمته وسببته من دمار وخراب فاق الحرب العالمية الثانية وما خلفته القنبلة الذرية في هيروشيما اليابانية، تراه دائماً متوتر الأعصاب وفي عينيه تقدح شرارة الغضب، وفي طبعه ميال للشر وارتكاب الجرائم لأتفه الأسباب، والإعتداء على أملاك وحقوق وأرواح الناس، وقطع الرؤوس وأكل الأكباد، وتهديم المنازل فوق رؤوس ساكنيها من الشيوخ والنساء والأطفال، عديم الرحمة إذا شاهد متسولاً جائعاً جالساً على قارعة الطريق يرمقه بنظرة الإحتقار بدلاً من مساعدته وإطعامه وإيوائه، أوطفلاً يغرق فلا يسعى إلى نجدته، أو مريضاً يعاني ويلات العذاب فلا يهتم به أو يسعى إلى علاجه، أو جريحاً مصاب بشظية ينزف دماً يتركه يتخبط بدمه كالطير المذبوح ويدير ظهره ويمضي دون أن يتأثر أوتؤثر فيه مآسي تلك المشاهد المروعة، وعندما يصحوضميره من الغيبوبة ويعود له رشده وصوابه يعيش عذاب الضمير وصرخة الندم على ما اقترفته يداه الملطخة بدم الأبرياء، ولوفكر ملياً وتخيل بأنه هوالمجنى عليه وحلت به تلك المصيبة وتحت الأنقاض دفنت أفراد أسرته، كيف يتقبل لهيب جمرة الحزن والألم ويشرب مرّ كأس العذاب تطارده الأشباح المخيفة، وعندما يصحومن خمرة كأس العذاب يقوم بنفسه إطفاء نار الحرب وإيقاف القتل وسفك الدماء ويتمرد ويرفض أوامر وقرارات ومخططات أسياده المتعطشين لشرب دم الشهداء وتدمير البلاد والعباد، ويرمي سلاحه ويسحب يده عن الزناد، ويتوب توبته النصوحة، ويطرد من قلبه الحقد والكراهية وحبّ الانتقام ويمدّ يده للمصالحة والمصافحة وللسلام، والأب الرؤوف صاحب العقل الحكيم والقلب الكبير يقبل التوبة ويغفر ويسامح كل من ضلّ الطريق، ويعدّ ما جرى سحابة صيف مرت وعبرت سماء البلاد ويلمّ الشمل تحت مظلته وفي خليته الكبيرة ليجني شهد العسل.
 

 

الفئة: