المناهج المطوّرة ومنهجية التـّحليل العلميّ

العدد: 
9137
التاريخ: 
الثلاثاء, 26 حزيران, 2018
الكاتب: 
باسم ابراهيم شرمك

كنت مع صغيري نراقب غروب الشمس على شاطئ بحر اللاذقية الساحر، وبدأت أحدثه عن ذكرياتي ومغامراتي في مرحلة الطفولة، فأراد أن يغيّر دفة الحديث ووجهته وبدأ يسألني عن الكون والظواهر الطبيعية وتفسير حدوثها وكان أحد أسئلته لماذا تتلون الغيوم بألوان مختلفة فتبدو بيضاء وتارة سوداء أو رمادية وتتلون بالأحمر عند الغروب؟ صمّت قليلاً إلى أن أنقذني طفلان جاءا ليجلسا بجوارنا فقلت له انضم اليهما والعبوا وبسرعة ويسر كبيرين تعارفوا وشكلوا حلقة ووزعوا أدواراً فيما بينهم سألتهم: ما اسم لعبتكم فقالوا مملكة العلوم والباحث الصغير  . . .
شدني العنوان فجلست مراقباً: وكانت أدواتهم بعد أن أعطيتهم قلمي ودفتري الصغير هي أصابعهم التي خطوا بها رسوماً وخرائط مفاهيم على رمال الشاطئ.
وقف ابني الذي أخذ دور قطرة الماء ليشرح تغيرات المادة وقال: إنني أتحول إلى بخار بفعل التسخين والحرارة فيخف وزني وأصعد باتجاه الأعلى وعند ارتفاعات معينة أعود وأتبّرد بسبب ضغط الهواء الذي يقل عند الارتفاعات ويصبح بارداً فأتكاثف على هيئة قطرات أنزل من أسفل الغيمة المشحونة بالكهرباء وأسقط وقد أتجمد عند الارتفاعات الشاهقة وأتّحول إلى نديفات من الثلج فأسقط بسبب ثقلي وقد لا أصعد نحو الأعلى لمسافات بعيدة وأبقى مجاورة لسطح الأرض فأتكاثف وأشكل الضباب وفي الأعالي تتصادم السحب المشحونة بشحنات مختلفة فيتشكل البرق والرعد وقد ترسل الشحنات فتتفرغ في الأرض فتتكون الصواعق.
ثمّ جاء دور أحد الطفلين: أما أنا فسأركب متن قطرة الماء النازلة من السحاب وأنزل فوق بحيرة الأسد وسأقوم برحلتي من أعلى جسم سدّ الفرات وأسقط لأحرّك العنفات التي تدور بسرعات محددة محوّلة الطاقة الحركية للماء إلى طاقة كهربائية وسأدخل إلى الذرة التي تتألف من بروتونات موجبة ونترونات معتدلة والكترونات سالبة وسأسير عبر الأسلاك الناقلة إلى أن أصل إلى جميع المنازل والمصانع وأتحوّل إلى أشكال أخرى للطاقة فأتحوّل إلى طاقة حركية باستخدام المرواح ومضخات المياه وطاقة حرارية باستخدام المكواة والأفران والثلاجة وصوتية في المذياع ومكبر الصوت وضوئية في المصابيح المختلفة فيتوهج سلك (التنغستين) المفتول في المصابيح الحرارية ويتوهج الغاز في مصابيح النيون ومصابيح توفير الطاقة وعرض المواد الناقلة للتيار التي تسمح بمرور التيار فيها والتي تتألف منها الدارة المغلقة والمواد العازلة التي لا تسمح للتيار بالمرور وتكون أحد أجزاء الدارة المفتوحة وشرح أنّ وصل الدارات في المنازل يكون على التفّرع وجاء دور الطفل (الباحث الصغير) الأخير: وقال هناك تحوّلات تحدث في الصخور نتيجة الضغط الشديد والحرارة فتغير من صفاتها وخصائصها فمثلاً الغرانيت والألماس كليهما من الكربون لكن اختلاف الروابط بين الجزيئات جعل الغرافيت ناقلاً بينما الألماس عازلاً للتيار الكهربائي وذكر أنواع الشحنات الكهربائية وأن الذرة تصبح سالبة الشحنة عندما تكتسب الكترونات وموجبة عندما تخسرها وشرح طريقة التكهرب بالدلك وبالتأثير.
انتهت جلستهم بتحدٍّ كبير وهو مشروعهم لايجاد الحلول والبدائل المناسبة لتوليد طاقة كهربائية بديلة عن طاقة الوقود الاحفوري تكون أقل كلفة وأكثر نظافة وأماناً للبيئية ولحياة الإنسان بالاعتماد على الطاقة الشمسّية أو طاقة الرياح أو طاقة المد والجزر وحركة الأمواج أو الطاقة الباطنية الكامنة للأرض.
بالنسبة لي فهمت الدرس جيداً وعميقاً واستطعت تفسير الكثير من الظواهر الطبيعية من خلال ما قدموه وبأدواتهم البسيطة فسألتهم من أين حصلتم على كل هذه المعلومات فأجابوا من مناهج الفيزياء والكيمياء التي ترشدنا لنكون باحثين وتعلمنا منهجية البحث العلمي وطرق تنظيم العمل وتحذرنا من المخاطر وتكسبنا خطوات الأمان والسلام أثناء العمل والتجريب.
وهنا لابد من توجيه الشكر والعرفان لوزارة التربية وللمركز الوطني لتطوير المناهج التربوية على إنجازهم وعلى تزامن خطة التحضير لبداية العام الجديد مع تطوير مناهج الصفوف (2،5،8،11) وانطلاق ورشات التدريب لتشمل الموجهين والمعلمين والمدرسين الذين سيطبقون المناهج في الميدان ووفق المعايير والأهداف فيكونوا قادرين على تحفيز المتعلمين وشدهم وإثارة شعلة الفضول في عقولهم فتتحرك الرغبة في البحث والاستدلال والاكتشاف فيستثمرون معلوماتهم وظيفياً ويفسروا الظواهر علمياً ويكونوا قادرين  على التفكير وايجاد الحلول والبدائل لجميع المشكلات التي قد تعترض مسيرة إعادة الإعمار والبناء لسوريتنا الحبيبة المنتصرة.
إنها النهضة الحقيقية للمجتمع من بوابة التربية والتعليم وإنّه التغيير السلوكي والثقافي في وجدان المجتمع الذي يحتاج إلى نسخ حقيقية  عن العلماء والمفكرين أصحاب موهبة وتجربة وإرادة وليس فقط حاملي شهادات العليا.