بائعو الأوهام بين سياراتهم الفارهة وآمال الشباب

العدد: 
9132
التاريخ: 
الثلاثاء, 19 حزيران, 2018
الكاتب: 
مهران بهجت سلوم

عبارة نرددها كثيراً فهل تصورنا يوماً أن تصبح حقيقة ملموسة نحتك فيها عن قرب كأنَّها أمرٌ عادي وجب أن نتعايش معه؟
أشخاص مختلفون من حيث الوعي أصبحوا يزاولون هذا النوع من العمل بلا عناء ولا تعب. يكفي التفوه بالقليل من العبارات المنمقة المتقنة ومن ثمّ تصبح الجيوب عامرة .
أسماء تكررت واللافت في الأمر تلك (الآرمات) وما كُتِب عليها كتعريف صغير بتلك الشخصية التي ستقابلها بمنحة من السماء . . أحدهم العالم الفلكي والمعالج الروحاني والطبيب العربي مع رقم جواله للتواصل والأفضلية لأصحاب الحجوزات السابقة، والآخر يطلق على نفسه العرّاف أحمد عالم في فن الحساب الرقمي والحرفي، و أخرى قارئة الفنجان المتمكنة من كشف المستور نظرة واحدة على رسومات فنجانك يكفي لأعرف ما تريد . . عيناتٌ موجودة على سبيل المثال وليس الحصر .  
طبعاً هؤلاء يتفننون بالألفاظ ولهم ثقافتهم الخاصة المختلفة عن بقية الناس، فهذه اللغة لا يفهمها غيرهم بعبارات تجذب المتلقي المغيب بطبيعة الحال لأن لديه حالة نفسية معينة وأمنية يتمنى أن تتحقق، وليس خافياً على أحد، هو درجة الاستقراء الذي يتمتع بها مزاول هذه المهنة من كثرة ما يجالس الناس تكون لديه خبرة حياتية كبيرة تسعفه في قراءة أي شخصية تزوره، وهذا الأمر يختلف بين منجم وآخر باختلاف قدرته وقوته على امتلاك أدوات العمل الغيبية والمتمثلة بعبارات وألغاز ورسوم يعجز جهابذة الرياضيات أو الفن عن فك طلاسمها وكأنَّها خاصية له فقط دون غيره هكذا هو حال المشاهدة الحية عندما تحلُّ ضيفاً عليه.
شهادات حية
ريم أحمد: فتاة عشرينية تبحث عن النصيب، تحب شرب القهوة وهي مدمنة عليها كل أسبوع تأتي وتنتظر دورها إلى أن يحين وقبل دخولها تضع ما في جيبها من مال وكل مرة مختلفة عن التي تليها بحسب ضغط قارئة الفنجان وعلى قول ريم: «لم أضع أقل من خمس مئة ليرة بكل زيارة من زياراتي السابقة دون تحديد عددها» تأخذ جرعة أمل وتمضي في طريقها.
ماهر رمضان: شاب ثلاثيني خسر ماله في تجارة فأصبح مداوماً على المجيء إلى بيت أبي علاء ليأخذ جرعات التفاؤل على لسان المنجم «فماله سيعود ويعوض كل خسارته» هذه هي زيارته الثالثة .
آراء رجال الدّين
كيف استطاع هذا الوهم أن يصبح حقيقة عند كثيرين كأنّ المؤسسة الدينية مغيبة عن هؤلاء أليس الجدير أن توجه التساؤل ويطرح الاستفهام ولدى جواب الشيخ رفيق  خطيب وإمام جامع وعضو في مديرية الأوقاف في اللاذقية، قال: هذه الظاهرة دخيلة على مجتمعنا والدّين ينبذها وكل من يستخدمها كعمل فقد خالف الله ورسوله والآيات والأحاديث كثيرة أما نحن كمؤسسة دينية فمهمتنا تبيان الحقائق وتقديم النصيحة لكل من يتوجه إلى هؤلاء وإظهار زيف وكذب من يدعون علم الغيب ويتاجرون بمشاعر الناس خطابنا يتجه إلى التوعية لا أكثر هذه هي استطاعتنا .
أين الجهات المعنية وما الحلول المقترحة؟
القضية وجب البحث والتدقيق فيها فالمتابع للأمر يجد أنَّهم يسرحون ويمرحون وإنَّ هذه الظاهرة تتلقى رواجاً عند العامّة بسطاءَ وأغنياءَ في آنٍ معاً .
هل الترخيص شفهي من قبل المعنيين لهؤلاء؟
سؤال يطرح على مسامع كل مسؤول معنٍ في الحفاظ على النسيج المجتمعي وحمايته من الخراب في البلد ، ومراقبة مدعي الغيب أو أي مسمى آخر يندرج تحت هذه التسمية فعمل الدّجالين أصبح العملة الرائجة عند كثير من ضعاف النفوس وكأننا أمام ثقافة سلبية طغت بنسبة كبيرة على مجتمعنا .
الميزان والإنصاف
الغريب المتوقع في آن معاً هو درجة المصداقية المشفوعة بالأدلة والواقع الذي يؤكد كلام بعضِهم، وهذا ما يجعلنا ننظر إلى هذا المجتمع ومَنْ ينتمون إليه نظرة متأنية . . فبعضهم يستند إلى علوم دينية متوارثة وبعضهم لديه من الكتب الموروثة ما يشفع له . . وهذا لا يعني أن جميعهم على درجة من الموضوعيّة . . إذ إنَّنا نجد كثيرين يمتهنون هذا العمل من دون أن يكون لهم ثقافة أو علم يلجؤون إليه ويقومون باستغلال مشاعر الناس من أجل المال، وهذا يكفي لدى كل من يزاول هذه المهنة ليكون دليلاً على عدم الشفاعة لهم فالمال هو الأساس وليس النصيحة التي تقدم بالمجان .   
الحلول تنبع من الوعي
الحلول كثيرة وأهمها التوعية الاجتماعية ندوات حوارات تسليط الضوء على مشاكل والعمل على  حلها من قبل أصحاب الشأن  والمهم التوجه لفضح هؤلاء والانتباه على الناس وحمايتهم من دجلهم واستغلالهم .
وبناء على ما تقدم فإننا لا نتهجم على أحد أو نشهر بأحد، إنّما نلقي الضوء على ظاهرة تفشت في مجتمعنا، ومع ذلك فإن علوم التنجيم والفلك هي علوم قد تكون لها جذورها التاريخية لكنّها لا تكون منارةً نستضيء بها ولو قادنا الفضول إلى الاهتمام بمثل هذا النوع من العلوم، وذلك يجب أن يكون من باب الترف الثقافي والاجتماعي وليس لأي سبب آخر .