بعد سنوات سبع عجاف .. نمو حركة الأسواق وتعافٍ بطيء لقطاع الزراعة

العدد: 
9131
التاريخ: 
الخميس, 14 حزيران, 2018
الكاتب: 
رفيدة يونس أحمد

تمت في جامعة تشرين مناقشة رسالة الماجستير في الهندسة الزراعية- اختصاص اقتصاد زراعي لطالب الدراسات العليا المهندس، محمد مهنا  بعنوان «تأثير الأزمة الراهنة على الصادرات الزراعية السورية» تحت إشراف الأستاذين الدكتورين غسان يعقوب و إبراهيم صقر، وبعد انتهاء المناقشة تداولت لجنة الحكم المكونة من الأساتذة الدكاترة: محسن جحجاح وغسان يعقوب ومحمد محمود، وبموجب المداولة مُنح الطالب مجد أحمد مهنا شهادة الماجستير بتقدير ممتاز وعلامة قدرها/90%/ ونظراً لأهمية الرسالة نعرض ما تضمنته من أفكار ونتائج ومقترحات وقضايا أغنت موضوع الرسالة.
يعد قطاع التجارة الخارجية من أكثر القطاعات الاقتصادية أهمية في سورية لأنه يشكل المصدر الرئيسي للحصول على العملات الصعبة اللازمة لاستيراد متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. كماتمارس إيرادات التصدير دوراً مهماً في تمويل الموازنة العامة للدولة لمواجهة إنفاقها العام بشقيه التجاري والاستثماري، وفي تقليص عجز الميزان التجاري والزراعي. وتعد مؤشرات الأداء في قطاع التجارة الخارجية من المؤشرات الأساسية للتعرف على مدى قدرة القطاع الزراعي على الوفاء بالاحتياجات الزراعية، والتي ستكون الأساس الحسابي لبلوغ نتائج الدراسة. وباعتبار التصدير ركيزة أساسية يستند إليها الانطلاق الاقتصادي لتوفير المصادر النقدية المستقرة من الإيرادات الخارجية، فإن الإنتاج بهدف التصدير يجب أن يتم بالكفاءة العالية من أجل المنافسة في الأسواق العالمية، والمساهمة في رفع معدل النمو الاقتصادي. إن ما تشهده سورية اليوم في أزمتها الراهنة أثبت أن الزراعة هي قاطرة الاقتصاد، وقد كان من الخطأ إعطاء الأولوية لقطاعات أخرى، غير أن هذا الخطأ استدرك على مضض لعدم وجود موارد بديلة. فالأزمة بكل مكوناتها لم تغير هيكلية الصادرات الزراعية السورية، بل ظلت مساهمتها حتى عام/2013/موجودة بنسبة 55% من إجمالي الصادرات. وفي اقتصاد أنهكته الحرب والحصار وسوء إدارة الحكومة لملفه قد يغدو طبيعياً حصول تراجع في الصادرات السورية وبشكل فرض إعادة هيكلتها انسجاماً مع تداعيات الأزمة، وخاصة بعد استيعاب الصدمة وطرق أبواب أسواق الشرق بعد إغلاق أوروبا أسواقها بوجه المنتجات المحلية. فقد تكبد الاقتصاد السوري خسائر اقتصادية كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي. إذ وصلت هذه الخسائر إلى نحو 664 مليار ليرة سورية بالأسعار الثابتة لعام 2012، والذي يعاد 406% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2010 أما بالأسعار الجارية فنقدر هذه الخسائر بنحو 2401 مليار دولار أمريكي. إلا أن الخسائر في قطاع الزراعة كانت نسبياً أقل من القطاعات الأخرى، حيث كانت الزراعة القطاع الأسرع نمواً نتيجة لتحسن المناخ بعد تعاقب سنوات الجفاف، ولعبت الظروف المناخية دوراً في تخفيض خطورة الأزمة إلا أن العديد من المزارعين وجدوا صعوبات في الدخول إلى أراضيهم والنقل وبيع المنتجات نظراً لفقدان الأمن في مناطقهم.
 وبعد مضي سنوات على هذه الحرب المفروضة على سورية فإن آثارها السلبية لا تزال تضغط على موارد الاقتصاد الوطنية وتعيق نمو الاقتصاد السوري. وفي قراءة متأنية لمؤشرات الاقتصاد الوطني يلاحظ تراجع الناتج المحلي إلى نمو 25% في العام 2012 مقارنة بالعام 2010 وبما يتجاوز %30 في النصف الأول من العام 2013 عما كان عليه في العام 2012 فقد ارتفع معدل التضخم إلى 58030%، وتعود هذه الزيادة بشكل رئيسي إلى ارتفاع مساهمة مكون الأغذية والمشروبات غير الكحولية حيث بلغت 28014%، تليها مساهمة مكون السكن والمياه والكهرباء والوقود، إذ بلغت 12043% ثم مساهمة التجهيزات والمعدات المنزلية وأعمال الصيانة الاعتيادية والتي بلغت نسبتها 3093% ويمكن تفسير تغير معدل التضخم بمجموعة من العوامل الداخلية والخارجية أهمها توقعات الأفراد حول الأسعار، وتحركات سعر الصرف وتغير العرض النقدي والإجراءات الحكومية المتعلقة بأسعار السلع الإدارية التي تقدم الحكومة من خلالها الدعم للمستهلك علاوة على تغيرات الأسعار العالمية للنفط والغذاء. وكنتيجة طبيعية لزيادة معدل التضخم ازداد معدل البطالة والفقر وانخفض معدل رفاهية المعيشة لدى المواطنين. إلا أنه ورغم هذه الحرب وما خلفته من آثار سلبية على الاقتصاد السوري هناك مؤشرات إيجابية تشير إلى استعادة التعافي ولو ببطء في بعض القطاعات الاقتصادية كاستئناف النشاط الزراعي في العديد من المحاصيل وفي الإنتاج الحيواني من الدواجن والبيض، وعودة متزايدة لورشات النسيج والألبسة. بالإضافة إلى نمو حركة الأسواق بعد تحسن الظروف الأمنية مما ساهم بعودة الإنفاق الإستهلاكي في السلع الأساسية وعودة بطيئة للمستثمرين خاصة في قطاعي النسيج والصناعات الغذائية. وبالنتيجة فإن تهذيب مسار السياسات الاقتصادية ككل وتوجيهها نحو إعطاء الأولوية الأولى للنهوض بالإنتاج الزراعي، وتعزيز آلية التدخل الحكومي في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة يعد ذو أهمية خاصة فضلاً عن تعزيز وتعميق مفهوم التشاركية والشفافية.
الزراعة قاطرة الاقتصاد
تمتلك سورية عدداً لا بأس به من الموارد الزراعية التي يمكن أن تقوم بتصديرها إلى الخارج يأتي في مقدمتها: الحبوب وبشكل خاص القمح والقطن والحمضيات والفواكه (التفاح) وكذلك الأمر بالنسبة إلى المنتجات الحيوانية. وعموماً تحظى تجارة المنتجات الزراعية بأهمية بالغة في تطوير الاقتصاد الوطني من خلال ما تسهم به في تحقيق الأمن الغذائي وتصريف الفائض من الإنتاج الزراعي إلى الأسواق العالمية، وتأمين القطع الأجنبي اللازم لتغطية مستوردات القطاع الزراعي أولاً ودعم الاقتصاد الوطني، ثانياً وتتجلى الأهمية الاقتصادية للتجارة الخارجية للموارد الزراعية من خلال تحليل الميزان التجاري للسلع الزراعية.
العقوبات لا تشمل السلع الاستراتيجية
* العقوبات العربية: حيث أعلنت الجامعة العربية في 27-11-2011 عن فرض مجموعة من العقوبات على القطر منها ما يشمل وقف التعاملات التجارية مع سورية، وتجميد أي أرصدة مالية للحكومة السورية في الدول العربية. كما تشمل العقوبات تجميد أي مشروعات أو استثمارات داخل سورية. وكذلك وقف رحلات خطوط الطيران إلى سورية، وقف التعامل مع مصرف سورية المركزي، ووقف المبادلات التجارية الحكومية مع الحكومة السورية باستثناء ما أسموه السلع الاستراتيجية التي تؤثر على الشعب السوري. كما أعلن عن تشكيل لجنة من الدول العربية لوضع قائمة بالسلع الاستراتيجية وفقاً لما أسمته الجامعة العربية معايير محددة. بالمقابل فقد أعلن كل من لبنان والعراق والأردن عن عدم التزامه بهذه العقوبات وهو ما يضعف تأثير هذه العقوبات إلى حد كبير. حيث أن العراق مثلاً هو الشريك التجاري الأول عربياً ويستأثر بنحو 16% من إجمالي الصادرات السورية بقيمة و22 مليار ليرة وهو ما يعادل 41-62% من الصادرات السورية غير النفطية، وبلغ حجم التبادل التجاري مع سورية نحو ملياري دولار خلال العام 2011. وبشكل عام إذا استثنينا العراق والأردن ولبنان تكون الصادرات السورية الزراعية للدول العربية تعادل ما قيمته 22 مليار ليرة سورية والواردات أقل من 29 مليار ليرة سورية.
15حزمة من العقوبات الأوروبية
فيما يتعلق بالعقوبات الغربية فقد أعلنت المفوضية الأوروبية تباعاً خلال العامين 2011 و 2012 عن فرض خمس عشرة حزمة من العقوبات على القطر تشمل منع توريد السلع الكمالية وسلع تكنولوجية لسورية وحظر التعاملات المالية والمصرفية مع البنوك السورية وتجميد الأصول المالية للحكومة السورية ومنع التحويلات المالية وتجميد المشاريع الأوروبية في سورية ومعاقبة عدد من المؤسسات العامة والخاصة السورية وحظر استيراد النفط السوري أو الاستثمار في قطاع النفط بسورية.
ويعد القطاع الزراعي حالياً من أكثر القطاعات تضرراً بسبب الحرب المفروضة على سورية ليس فقط بسبب تقلص المساحات المزروعة بنسبة تبلغ أكثر من ثلث المساحة المزروعة بل بسبب هجرة اليد العاملة الزراعية وصعوبة تأمين مستلزمات الزراعة من بذار وسماد وعلف بالإضافة إلى صعوبة تأمين المازوت اللازم لعملية الري بعد زيادة أسعاره وصعوبة وصول الإمدادات الحكومية إلى المناطق الزراعية في المناطق الشمالية والشرقية من البلاد مما أدى إلى انخفاض كميات المحاصيل الاستراتيجية وبقية المحاصيل وتراجع الصادرات الزراعية.
أولاً: سجل الميزان التجاري الزراعي السوري قيماً سالبة أو عجز حصل في أغلب السنوات المدروسة وهذا يعزى إلى تراجع في القيم التصديرية المحققة نتيجة موجات الجفاف والعوامل الطبيعية التي تعرضت لها سورية وذلك بسبب طبيعة سلع الصادرات التي تختلف عن طبيعة سلع الاستيراد من حيث التأثير بالعوامل الطبيعية والأمراض أو نتيجة الحرب والعقوبات المفروضة على التجارة السورية.
ثانياً: بلغ معدل النمو السنوي للصادرات السورية خلال الفترة 2005- 2011 نحو 15% بينما بلغ هذا المعدل نحو 1% خلال الفترة 2012-2014.
ثالثاً: كانت القوة التصديرية الأعلى من نصيب الكمون 56%، تليه البندورة 53% ثم التفاح 26% ثم الدراق والعدس 24%، بينما انعدمت القوة التصديرية للأغنام ولبعض المنتجات كالقمح والشعير والحمص والذرة.
رابعاً: واجهت الشركات العاملة في مجال التصدير بعض المشكلات والعقبات منها عدم دقة المعلومات التسويقية خاصة عن الأسواق الخارجية، وعدم توافر الكميات المطلوبة للتصدير بالمواصفات المطلوبة أو عدم توافر العمالة المدربة على عمليات ما بعد الحصاد بالإضافة إلى عراقيل بعض الأجهزة الوزارية (الصحة والجمارك والضرائب . .) وغيرها.
المقترحات
أولاً: أهمية رفع الحكومة للقيود عن الصادرات دون رفع القيود الرقابية من أجل الجودة والكفاءة، وضرورة خفض الرسوم والضرائب، وتقليل تكاليف الشحن والنقل البحري والجوي.
ثانياً: العمل على زيادة الإنتاج من أجل التصدير وليس تصدير فائض الإنتاج .
ثالثاً: إعداد مواصفات موحدة للسلع تتوافق مع المواصفات الدولية، والاهتمام بتطوير عمليات ما بعد الحصاد (الفرز - التدريج - التعبئة - التخزين) على المستويات المختلفة للمسلك التسويقي مع توفير التقنيات الحديثة والعمالة المدربة.
رابعاً: إجراء دراسات للتعرف على المنتجات الأجنبية وكيفية المنافسة في تصدير المنتجات الزراعية السورية.