وهـــلّ الــعيد

العدد: 
9131
التاريخ: 
الخميس, 14 حزيران, 2018
الكاتب: 
ريم محمد جبيلي

كنّا صغاراً قبل عمر ونيّف، كنّا أصحاب العيد، نعيش بهجته وبهرجته بسعادةٍ وفرحٍ لا محدودين، لا همّ لنا إلا توضيب ثيابنا المزركشة وتوابعها استعداداً لاستقبال الضّيف الأعزّ على قلوبنا، ومع تكبيرات العيد نستسمح يديّ والدينا في طقسٍ مقدّسٍ انقرض هذه الأيام، طمعاً بكسب مرضاتهما، وملء جيوبنا بنقود (العيدية) لادّخارها وصرفها على ملذّاتنا الشخصية التي لا يتجاوز سقفها التوجّه إلى مدينة الألعاب وشراء قطعة مثلّجات مع الأقران، إضافة إلى اقتناء بعض الرموز الاستثنائية الخاصة بمظاهر العيد والتي تحمل رسائل الفرح والسعادة إلينا.
كانت أيام العيد تمضي مسرعةً أو هكذا كان يخيّل إلينا لكثرة المواعيد و ازدحام اللقاءات الأسرية والعائلية فزيارتهم واجب لا يجوز التأخّر فيه وفق تراتبية عمرية لا تخرق و إلا فتحنا باب العتب واللوم حيناً من العمر.
كبرنا وبدأت طقوس العيد تتغير لنتجاهل بعضها ونتركه، فالكبار لا يمتطون صهوة الخيل في مدينة الألعاب، و لا يتقاضون بدل مصروفات العيد، وأحياناً لا ضرورة لشراء الجديد طالما سنقضي أيامه في البيت برفقة الكتب والملحقات الدراسية.
أما اليوم انعكست الأدوار وتقمّصنا دور أمهاتنا وآبائنا وأصبحنا نهتمّ بأدقّ التفاصيل ونُملي عليهم ما يجب وما لا يجب ارتداؤه أو تناوله وننتقي لهم ما يلائم ذوقنا ليظهروا بأبهى حلّة نوثّقها بالصور التذكارية، نعيش معهم تفاصيل ويوميات التحضير لاستقبال ضيفٍ عزيزٍ نعدّ العدّة له، نبادر إلى تبادل الزيارات مع العائلة والأصدقاء، نقتنص كلّ لحظات الحبّ والفرح لنغرسها في عيون من حولنا، نكابر ونتسامى على آلام وأحزان وطننا، نسمح ﻷنفسنا باستراق ساعات فرح وبهجة لنزرعها في قلوب أبنائنا سعادةً، وعلى وجوههم نرسم ضحكات وابتسامات مخطوفة من أيام بيضاء، مزّقت عنها سواد الحزن والألم، وصمّت أذنيها عن الأنين وتنهيدات الفقد والحنين، ولوعات الشوق وحسرات البعد والفراق وحبست في مآقيها عبرات وآهات، لمَ لا؟ فالعيد عيدٌ يحقّ له أن يطرق أبواب قلوبنا الموصدة زمناً في وجهه، ونشرع له أبواب الأمل والتفاؤل، فبشائر النصر هلّت ودماء جرحانا وشهدائنا أينعت أكاليل مجدٍ وغارٍ، وعبّدت لنا طريق المجد والخلود، وحلّقت أرواحهم وتسامت وارتقت لتعانق الملكوت الأعلى، لنكون نحن هنا، نبني حاضر العزّ والفخار، ونستقبل أعيادنا بخجلٍ وخشوعٍ، وكلّنا أمل ورجاء أن تبقى سوريّتنا أرضاً وشعباً وقائداً بألف ألف خير.
 

الفئة: