التخويف والتهديد . . تعطيل لطاقات الطفل الابداعية

العدد: 
9130
التاريخ: 
الأربعاء, 13 حزيران, 2018
الكاتب: 
د. رفيف هلال

إنه من الضروري أن يبتعد الآباء والأمهات كل الابتعاد عن استخدام أسلوب العنف اللفظي مع الطفل، وهو يتحدّد في الألفاظ المسيئة التي تنطوي على السخرية والشتم والازدراء والتخويف والتهديد، إضافة إلى اللغة السوقية والانتقاد المستمر للطفل، أو مقارنته بسِواه، فهناك الكثير من الدراسات التي تؤكد مدى التأثير السلبي لهذا الأسلوب على الطفل، إذ إن تداعيات العنف تستمر وترافق الإنسان إلى مرحلة النضج ، فقد أكدت دراسة أنه عندما تكون البيئة عدوانية ، ويكون الطفل فيها معرَّضاً للعنف اللفظي والنفسي، فإن هذا يؤدي إلى أضرار دائمة في الدماغ ، تبقى مدى الحياة كجروح وندوب فيه، وهذا ما أكده مارتن تاتشر وزملاؤه في كلية الطب بجامعة هارفرد . وفي دراسة نشرتها المجلة الأمريكية للطب النفسي، تبيَّن أن الأفراد الذين عانوا من العنف اللفظي في طفولتهم، تنخفض في أدمغتهم المادة الرمادية التي لها علاقة وطيدة بمستوى الذكاء، والقدرة على التفكير والتحليل. كما أكّد الباحثون أن الأشخاص الذين تعرّضوا لعنف لفظي في طفولتهم، هم معرّضون بنسبة أكبر للإصابة بالاكتئاب والانطواء على الذات، إضافة إلى التصرُّف العدائي والقلق واضطرابات النوم، مع ارتفاع نسبة الوقوع في فخ الإدمان على أنواعه، وإلحاق الأذى بالنفس.
يختلف العقل البشري عن سائر المخلوقات في أنه يتكوّن وينمو ويتطور باستمرار بعد ولادته ، ويتأثّر بما حوله ، ولكي ينمو هذا العقل بطريقة صحيحة، فإنه يحتاج إلى الرعاية والقبول والتحفيز والتشجيع والحُب غير المشروط الذي هو أساس العلاقة بين الطفل وأبويه، ولا بد للآباء لدى تقويمهم لسلوك أبنائهم من أن ينتقدوا العمل السيئ بعيداً عن انتقاد الطفل، إذ ننتقد السلوك الخاطئ بعيداً عن الإهانة والتجريح لشخصهم، وعلى الآباء واجب الاعتذار إذا صدر عنهم ما لا يليق بالقول، حتى نعلّم الأطفال ثقافة الاعتذار وكيفية التعامل السليم بين الناس. إن خطورة العنف اللفظي على الطفل تتمثل في أنه يرى نفسه من خلال نظرة والديه إليه ، فهو يرى نفسه جميلاً أو قبيحاً، ذكياً أو غبياً، صالحاً أو غير صالح من خلال هذه النظرة، والعنف اللفظي يؤدي إلى انعدام الثقة بالنفس، وتعطيل الطاقات الإبداعية، بل وتؤثّر سلباً على نمو الطفل جسدياً وعقلياً وروحياً ونفسياً وعاطفياً واجتماعياً، وتزداد نسبة هذا التأثير على المدى البعيد، حتى حين يتلقى الطفل صورة من صور الحب من الشخص المعتدي كالابتسامة، وإن كانت صادقة، فإنه يعيش في تأهُّب لأنه يعلم أنها حالة من الحب المؤقت، وإنها لا بد من أن تنقلب إلى حالة مناقضة، فتنعدم ثقته بهذه الابتسامة، وبهذا الحب وهذه مأساة في حد ذاتها.
 

 

الفئة: