هوس الكرة هروب من الواقع

العدد: 
9130
التاريخ: 
الأربعاء, 13 حزيران, 2018
الكاتب: 
رنا ياسين غانم

 مع اقتراب موعد مباريات كأس العالم، تبدأ التحضيرات بشراء الأعلام  والملابس المخصّصة للفريق المحبّب أو الفريق الذي نقوم بتشجيعه وتزين السيارات و شرفات المنازل بالأعلام ، وتبدأ الرهانات والمنافسات بين الشباب لمعرفة الرابح، والسؤال المهم ما سبب اهتمام شبابنا الكبير بهذه المباريات ؟

تقول ميس: اهتمامنا بالمباريات يأتي من كونها فرصة لنجتمع نحن والأصدقاء وتشغل الفرحة هذه اللمة وتتعالى الأصوات مع كل فرصة لتسجيل هدف، إنها أجواء ننتظرها بفارغ الصبر، ربما لا تهمنا الفرق بقدر ما نهتم بالجو السائد لأنه مع مغادرة أحد الفرق نتجه إلى فريق آخر ونقوم بتشجيعه.
ويقول محمد: أنا أحب كرة القدم منذ طفولتي و أرى فيها حلم كبير، بدأت بشراء ما يلزمني للمونديال من أعلام وملابس وأنتظر قدومه لنعيش أجواء الرياضة ، فقد قمت بتغيير برنامج نشاطاتي بما يتوافق مع أوقات عرض المباريات.
بينما يقول العم أبو فادي: لا أعلم ما هو سبب اهتمامهم بهذه المباريات، فهي لا تعود علينا بالنفع أو بالضرر إنها شيء لاقيمة له .
وللاختصاصيين رأيهم، فيقول الأستاذ شادي واصل: ربما ينطبق ذلك على المشجع العربي بوجه خاص، والذي ينشغل بمتابعة مباريات كرة القدم، هناك أسباب نفسية واجتماعية لا يمكن إغفالها، حيث تعد العوامل النفسية والاجتماعية عنصرًا أساسيًا لتفسير إدمان شيء أو العزوف عن شيء في مجتمعاتنا العربية، وذلك لأن أحوال الشعوب العربية في حالة تردٍّ وتشرذم وانكسار جراء أكوام الفساد الملقاة على رؤوسهم، وعليه فإن تعلق المشجعين العرب بكرة القدم له أسباب نفسية قد تتمثل في توزيع أدوار بشكل رمزي مثل تقسيم الفرق، ففريقي يمثل طموحاتي وأحلامي الهائمة، والفريق المنافس يمثل متاعبي ومشكلاتي التي أسعى إلى الانتصار عليها.
ويرمز الهدف (الجول) إلى خطوة نحو الانتصار وانفراج الهموم، أما الهدف العكسي، فيرمز إلى فشل جديد أو مشكلة جديدة. وبعد نهاية المباراة أو البطولة يكتشف ذلك الطامح أنه عارٍ عن الرموز، وليس أمامه سوى واقع مؤلم، فيبحث عن بطولة جيدة حتى ولو لفرق مغمورة.
وأخرى اجتماعية عن الشق الاجتماعي، فإنه يمثل موقفًا مشابهًا للعامل النفسي ولكن بدون رموز، وعنوانه الرئيس هو الانشغال بهَم بدلًا من هَمٍّ آخر أكبر، حيث يضع (المشجع) حسابات المكسب والخسارة والنقاط وتقسيم المجموعات بدلًا من حسابات مصروفات البيت ومشكلات العمل وخلافات العائلة، أي أنه يختار العيش في واقع آلامه أخف وطأة من واقع آخر، فالأول يحتمل أن ينتهي بنهاية سعيدة، أما الثاني فلا أمل في نهايته بشكل جيد (أو يظن صديقنا ذلك)، وبالتالي فموقف المشجّع في هذه الحالة يتعدى مجرد الانشغال إلى مرحلة الهروب وتعمد اللامبالاة.
وأخيرًا، فإن كرة القدم رياضة رائعة، خاصةً إذا مارسناها بأنفسنا وتذوقنا طعم الروح الرياضية والانتصار بأنفسنا. ولكن حتى إن لم نستطع تحقيق ذلك، فإننا نراه في مشاهد أكثر من رائعة تتسم بالإنسانية والنُبل، وذلك في مقابل مشاهد العنصرية والعدوانية والإجرام. فمن الأولى أن نأخذ منها ما يجعلنا سعداء وراضين عن أنفسنا، والأهم من ذلك أن نسعى إلى أن نعرّف العالم بنا، ولكن ليس كمشجعين أو حتى كضيوف على دكة البدلاء، ولكن كأساسيين في مجالاتنا التي نحترف فيها ونستطيع أن نضع أهدافًا وأن نحقق بطولات فيها مثل هؤلاء اللاعبين المشاهير.
 

الفئة: