تسوّل مودرن

العدد: 
9129
التاريخ: 
الثلاثاء, 12 حزيران, 2018
الكاتب: 
منى الخطيب

التسوّل ظاهرة عالمية لا تختص بها دولة دون أخرى، و له أشكال و ألوان وفنون مبتكرة خرجت عن المألوف و تخطّت الأشكال الكلاسيكية المعروفة مثلها مثل أي مهنة تخضع للتطوير والتجديد، و بعضها لا يخطر على بال لكنّها تتقاطع وتلتقي في نقطة واحدة و تصب في مجرى واحد وهو العزف على الجانب الإنساني واستثارة الحمية والنخوة لدى الناس بإطلاق عبارات تهز المشاعر وتحرك الوجدان في طلب المال ليصب في جيب المتسول.
التسوّل ظاهرة موجودة، لكنها تورَّمت بفعل الحرب الإرهابية الظالمة على سورية، منهم من امتهنها، ومنهم من دفعته ظروف الفقر وضيق الحال والتهجير والتّشرد وفقدان العمل والمأوى واتساع دائرة الفقر وتزايد أعداد العاطلين عن العمل ما أدى إلى تفاقمها، إذ قلّما نجد شارعاً أو رصيفاً أو تقاطعاً أو إشارة مرور أو جسر مشاة يخلو منهم، و كأن الشوارع أصبحت ساحات عرض لابتكارات التسول وأساليبه.
يلاحظ وجود ما يشبه العصابات تستغل حاجة المتسولين وتقوم بتشكيل مجموعات صغيرة منهم تمثل البؤس المدقع  والأجساد الرثة التي تثقل كاهل الأرصفة (مجموعات الأطفال- مجموعات النساء- مجموعات كبار السن) يتم توزيعهم صباحاً على إشارات المرور وأمام المؤسسات العامة المزدحمة ودور العبادة وغيرها، ثم يتم جمعهم في المساء وتفريغ جيوبهم من الغلّة التي جمعوها مقابل نسبة معينة بالإضافة للمأكل والمشرب والإيواء.
المتسولون أصحاب العاهات أغلبها عاهات مزيّفة أو مؤقتة بقصد استدرار عطف الناس و إفراغ جيوبهم، وهناك من يقول إنّ الأصحاء يستأجرون المعاق إعاقة بالغة ظاهرة للعيان من ذويه مقابل أجر محدد في النهار ثم يسلموه في المساء، والرزقة شطارة، يتوزعون الأحياء والمناطق بالدور، فنرى كرسياً متحركاً يتربع عليه معاقٌ حقيقيٌ يدفع به رجل سليم أو امرأة سليمة يطلقون عبارات ودعوات إنسانية طنّانة رنّانة محفوظة عن ظهر قلب، يوزعون الدعوات والتهاني والأمنيات (رشاً ودراكاً) على أمل أن تكون مدفوعة الأجر (الرحمة للأموات- التوفيق للأبناء- الوصول  بالسلامة  للمسافرين- العودة المأمونة للغائبين) بترنيمات غنائية حزينة تجاب الشفقة والعطف، وأصوات قادحة قالعة تصوت صفارة الإنذار المشؤوم، أو كصوت إذاعة عبود الكازية في مسلسل الخربة وهو ينادي (انتباه- انتباه- انتباه) يسمع بها القاطنون في أول وآخر الشارع يتم ترديدها كوصلة غنائية من أول الحي إلى آخره.
التسوّل ظاهرة مزرية لا بد من التوقف عندها، و بعض المتسولين ليسوا بحاجة للتسول، وهم قادرون على القيام بأعمال تحفظ لهم إنسانيتهم وكرامتهم ومكافحة التسوّل مسؤولية جماعية تشمل المجتمع بكامله، ولا بدّ من تفعيل مكاتب مكافحة التسوّل في المحافظات ومعالجة أوضاع المتسولين الكبار والصغار ومحاسبة مشغليهم ليكونوا فئات فاعلة في المجتمع لاٍعالة عليه.