رباعيات الخيـّـام.. نفس قلقة تبحث عن الهدوء والحقيقة في الوجود

العدد: 
9129
التاريخ: 
الثلاثاء, 12 حزيران, 2018
الكاتب: 
بسام نوفل هيفا

عمر الخيام هو أبو الفتح عمر بن إبراهيم الخيامي النيسابوري (1040-1131) م عاش ومات في مدينة نيسابور طالباً العلم على اختلاف فنونه وأبوابه، ولاسيما علم الفلك الذي بلغ به الذروة، لقبه الخيام أي صانع الخيام، يدل على ما كان يعالجه أيام فقره وخموله من حرفة الخيامة، وقد أشار عمر إلى احترافه بصناعة الخيام حيث يقول : إن الخيام الذي خاط خيام العلم قد وقع في تنور الحزن فأحرقته ناره، وقد قطع مقراض النحس أطناب حياته، وباع سمسار الأمل عمره في سوق التلف بلا ثمن .
ورباعياته التي نظمها بالفارسية، وزادت ترجماتها على الخمسين من الفارسية والإنكليزية والفرنسية والعربية. هي عبارة عن مقطوعات شعرية ترجمها البعض إلى العربية نثراً والبعض الآخر شعراً، وأشهر من أجاد ترجمتها شعراً الشاعر الغنائي أحمد رامي. بهذه المقدمة التي قمت بإختصارها- وكان الأديب محمد جميل الحطاب قد توسع فيها قليلاً- بدأ الحطاب محاضرته التي كان ضيفها الشاعر الكبير عمر الخيام- عنوانها أضواء على شخصية الشاعر عمر الخيام ورباعياته- في مكتب المرشد الثقافي الأستاذ سمير مهنا، في دار الأسد للثقافة باللاذقية . حضرها لفيف من الأدباء كتاب وشعراء ونخبة من المثقفين متابعي المشهد الثقافي.

 

 

ثم تابع قائلاً: إن رباعيات الخيام تشير إلى نفس قلقة تبحث عن الهدوء والحقيقة في الوجود، فبرزت نزعة التشاؤم ، وكثرت فيها التساؤلات حول مصير الإنسان والشكوى والدعوة إلى اللامبالاة، واقتناص الفرص للعيش والنهل من لذات الحياة، والعيش في أحضان الطبيعة، وإرضاء النفس قبل إرضاء الناس.
لقد استعار كثيراً من معانيه وأفكاره من خلفه من شعراء الفرس وفي جملتهم حافظ الشيرازي ولكنهم صبوا ما أخذوه من معاني الخيام في قالب تصوفي.
كان الخيام راجح العقل، ثابت الذهن، حافل القريحة، بديع الخيال ، حريصاً على استطلاع الحقيقة. وقد ثار في وجه السائد في عصره من فاسد العقائد. وفي رباعياته استخفاف ظاهر بالدنيا والآخرة وبالعقل والشريعة ومن أجل ذلك عدّه نفر من الدارسين صوفياً. وقد كان السلطان ملكشاه السلجوقي ينزله منزلة الندماء، وكان شمس الملوك نصر، ملك بخارى يعظمه ويجلسه معه على سريره. وقد قدح أهل زمانه في عقيدته بسبب هذه الرباعيات التي تتراوح بين الإيمان والإلحاد وبين الدعوة للهو والمجون وطلب العفو وإعلان التوبة، يقول :
أمنت تصاريف الحوادث كلّها     فكن يا زماني موعدي أو مواعدي
ولي فوق هام النيرين منازل      وفوق مناظر الفرقدين مصاعدي
وهو معجب لهذا الفناء السريع للشباب والحياة، فيقول:
تناثرت أيام هذا العمر              تناثر الأوراق حول الشجر
فانعم من الدنيا بلذاتها              من قبل أن تسقيك كفّ القدر
أطفئ لظى القلب ببرد الشراب    فإنما الأيام مثل السحاب
ولذلك اختلف العلماء في تصنيف عمر الخيام. والأرجح أنه لم يخرج عن المألوف إنما هي صرخة في وجه الظلم والأمور الدخيلة على الدين في عصره.
وأضاف الحطاب: من الجدير بالذكر أن الرباعيات ظهرت بعد رحيل الخيام بثلاثة قرون ونصف. ولعلهم كانوا يخشون جمعها لما حوته من جرأة وحكمة.. وأول ترجمة لها كانت باللغة الإنكليزية عام 1859، على يد إدوار فيتزجيرالد. أما الترجمة العربية عن الفارسية، فقد قام بها أكثر من شاعر وكاتب كان منهم كما ذكرنا الشاعر أحمد رامي.
من أبرز حوادث التزوير في التاريخ أن معظم الناس يقولون : إن الخيام لم يكن إلا شاعراً والصحيح أنه كان من أكبر علماء الرياضيات في عصره، واشتهر بالجبر، وهو أول من اخترع طريقة حساب المثلثات والمعادلات الجبرية من الدرجة الثالثة، كما ذاعت شهرته في العلوم الفلكية فوضع تقويماً سنوياً أدق من التقويم السنوي الذي نعمل به اليوم.
أورد المحاضر كثيراً من شواهد شعر الخيام وبعض الشعر لمن تأثر بهم أو تأثروا به، وهنا أورد بعض الأبيات الشعرية التي أحسن ترجمتها أحمد رامي بقوله:
سمعت صوتاً هاتفاً في السحر     نادى من الغيب غفاة البشر
هبوا املأوا  كأس المنى قبل أن    تملأ كأس العمر كفّ القدر
لا تشغل البال بماضي الزمان     ولا بآتي العيش قبل الأوان
واغنم من الحاضر لذاته           فليس في طبع الليالي الأمان
القلب قد أضناه عشق الجمال     والصدر قد ضاق بما لا يقال
يا ربّ هل يرضيك هذا الظمأ؟  والماء ينساب أمامي زلال
أولى بهذا القلب أن يخفقا       وفي ضرام الحبّ أن يحرقا
ما أضيع اليوم الذي مر بي    من غير ان أهوى وأن أعشقا
وفي النهاية يعود الخيام إلى خالقه ضارعاً تائباً فيقول :
يا عالم الأسرار علم اليقين     يا كاشف الضرّ عن البائسين
يا قابل الأعذار عدنا إلى ظلّك   فاقبل توبة التائبين
توفي عمر الخيام عام 1131م، ولم يقتصر اهتمام الأدباء في العصر الحديث على ترجمة الرباعيات ودراستها والكتابة عن سيرة صاحبها. وإنما التفت بعضهم إلى سيرته فوجدها مادة غنية للتعبير بوساطتها عن تجارب معاصرة...
وختم الأديب محمد جميل الحطاب، محاضرته الممتعة والمفيدة- وهو خير من يجيد اصطياد الجميل والثمين والمفيد من درر الأدب – ختم بالقول: كان الخيام متسامحاً، يرى أن التسامح هو اللبنة الأولى في بناء الصداقة. كما كان عاشقاً للجمال والحياة والحب وبسبب الفهم الخاطئ لفلسفته وتصوفه اتّهم بالإلحاد والزندقة وأحرقت كتبه. ولم يصلنا منها سوى الرباعيات ومجموعة من الرسائل نشرها معهد التراث العلمي في حلب عام 1981 تحت عنوان : رسائل الخيام الجبرية . وقد برز تأثره الواضح بلزوميات أبي العلاء المعرّي وأفكاره ولاسيما أن الخيام ولد في أيام شيخوخة المعرّي وإبان شهرته.
ولقد كان للفن السينمائي دور كبير في تناول سيرة الخيام وحياته ...
 

الفئة: