الفنانة التشكيلية ليلى طه: الموروث الشعبي يأسر ريشتي الشغوفة بذاكرة المكان

العدد: 
9129
التاريخ: 
الثلاثاء, 12 حزيران, 2018
الكاتب: 
رفيدة يونس أحمد

الفنان يرسم ويلون ذاته في لوحات تحمل تفاصيل الهوية بروحانية المكان وحميمية الأشياء .
تمتلك إحساساً صادقاً ومرهفاً تترجمه عبر لوحاتها التشكيلية بشفافية مطلقة، عاشقة للمفردة التراثية والألوان الحارة. لوحاتها تحمل بعداً خاصاً ينقلنا إلى عالم ساحر مؤثر ذي تناغم لوني لافت، والعناصر لديها تتحول وتزدحم لتملأ جسد اللوحة بمفردات مكثفة تختزن بيئتها المشاهد البصرية والمفاهيم الروحية.
عضو في اتحاد الفنانين التشكيليين بسورية، وعضو في بيت التشكيليين. أقامت معارض كثيرة فردية وأخرى جماعية داخل وخارج سورية، ولها مقتنيات في المتحف الحربي ومديرية الثقافة ووزارة الداخلية ومقتنيات كثيرة خارج سورية مثل: مصر، السعودية، بريطانيا، فرنسا، كندا، ألمانيا... أيضاً هي عضوة في جمعية أصدقاء الفن، تحمل رسالة تربوية فنية، ولها باع طويل في هذا المجال. إنها الفنانة التشكيلية ليلى طه ومعها كان حوارنا الآتي..
في لوحاتك هيمنة ثنائية الظل والنور حتى في التفاصيل الصغيرة وصولاً إلى اللوحة الكاملة، فما هو مفهومك لهذه الثنائية؟
تعتمد اللوحة على الضوء ومصادره، وهي تكشف سر العتمة المنبثقة من زوايا مختلفة في تفاصيل اللوحة لإظهار روحانية المكان وحميمية الأشياء بهذا الوميض اللوني البرتقالي المشع في الفراغ والذي يهرب من ثقل البني المعتق ليعلن لحظة الإنفجار. وقد يكون الأمل والحلم لرؤية العالم أكثر سلاماً ومحبة وإنسانية. وقد يعبر أيضاً عن التناقضات من وهج الضوء وانعكاس أشعة الشمس.

 


هناك تزاوج بين التجريد الزخرفي والتشخيص /الرمز/ في لوحاتك فما قولك؟
صحيح أعمالي هي مزيج بين دعامتين أساسيتين : التجريد والرمز. واللوحة هي مساحة للتواصل ومساحة للحوار والتأمل واستنباط الانفعالات والمشاعر. تناولت الموروث والعناصر المعمارية، ومنها أصوغ عناصري وأجردها من شكلها التقليدي بطريقة قابلة للحياة وقادرة على التعبير. فمكان المربع مثلاً: رمز للبيت، والمثلث والدائرة رمز للديمومة. أما الرمز أو التشخيص الذي أضمنه المعاني يشكل عندي مفاتيح للوحة، ويكون بمثابة إشارات تساعد على قراءة العمل عندما توظف العناصر وتكون مفتاحاً لرؤية بصرية تسحبك إنما إلى أبعد من اللوحة إلى ذات الفنان نفسه، أي روحه المصلوبة على القماش ليريك من خلالها شماعة ذاته، وماذا علق عليها من بقايا آمال وأفراح والأثر النفسي الذي غيبته وأبقيت على أثره كرسي، صندوق ، جدار، نافذة مغلقة إلا من بقايا أمل لوني أبيض محققة حالة الفرج والانعتاق والتحليق بحرية.
المتتبع لأعمالك يلاحظ سيطرة المفاهيم الشرقية والروحية، فما تعليقك؟
تناولت في أعمالي واقعاً وراء المعاني وهو معادل للروح من جهة، وللعقل من جهة أخرى يخضع إلى التوازن والتحولات . فأنا أرسم ما أراه وأحس به . أرسم بكل حواسي ومشاعري فالإنسان هو منظومة غرائز وعواطف وأفكار. كذلك الشحنات التي تتغلغل في كل أثاث البيت العربي الشرقي مثل : الكراسي، الستارة، الأصص المزهرة المزخرفة بغناء مشرقي متضمناً أبعاداً تراثية إلى قضبان النوافذ المتوازية خلف النظرات المرتقبة لحركة ما في العالم الخارجي ليغدو البيت العربي بمجمله رحماً أسكن في داخله لأنشد الإنفراج والتحليق.
ويلاحظ أيضاً بأن الطبيعة هي ملهمتك بالتشكيل والتعبير؟
الفنان ابن البيئة التي ينتمي إليها، وأنا ابنة الريف والطبيعة الخصبة، والتي تأثرت بمناخاتها وألوانها وتبدلاتها . فالفنان ينتمي بإحساسه إليها وهي المحرض الأساسي على الإبداع.
تميل لوحاتك بشكل عام إلى الألوان الحارة، وإن وجدت الألوان الباردة فهي إلى جانب الألوان الحارة في نفس اللوحة، لماذا؟
يحمل اللون شحنات انفعالية وإشارات نفسية وتداعيات كبيرة. وللون صلة وطيدة بالنفس. الألوان الحارّة قد تكون وليدة إحساس بالحميمية مع لمة الأهل، وعلاقة الآباء بالأبناء. فاللون هو المحرض الأول لانفعالاتنا الجمالية حيال المشاهد التي تقع عليها أبصارنا وعلاقتنا مع الطبيعة. واللون في اللوحة يخضع إلى توازن مدروس للإحساس بالحار إلى جانب البارد. ويعبر عن الديمومة ومصادرها: الشمس والسماء. والعمل الفني في النهاية هو خط ولون والإحساس هو الذي يجمع بينهما.وماذا عن التفاؤل المنبعث من لوحاتك التشكيلية؟
اللوحة هي النص الذي يسجل الفنان عليه أحلامه وكل ما يشعر به من أحداث وحالات اختلاج ودوران وبحث عن ذات الفنان. إذاً الفنان يقدم نصه وهو عصارة منظومة داخلية مفتقدة عنده. فيجد اللوحة الملاذ ومكان الهروب للتعويض عن حالاته حيث يعبر عن صدق لمسة الريشة . وتكون الكهرباء لاستنهاض المشاعر عند المتلقي، والذي ترجع حساسيته في العمل إلى ثقافته ومدى اهتمامه بمتابعة المعارض الفنية وأعمالها والثقافة .
تعملين على اللوحة المقطعة أو المجزأة وطريقة العرض الشاقولي أو الأفقي، ماذا تحاولين قوله عبر هذه التجربة؟
هو جديد عملي الفني لجعل اللوحة متجددة وخلق الأجواء الخاصة بها. فهناك اللوحة الثنائية أو الثلاثية واللوحة الرباعية. وطبعاً يمكن أن تكون على الجدار معلقة بشكل أفقي أو عامودي بهدف الخروج عن النمط المألوف لعرض اللوحة، ولخلق أكثر من جو في اللوحة الواحدة وأحياناً تحمل فكرة تعبير عن السلبية المطلقة التي يعيشها إنسان اليوم، والحياة الاجتماعية والطوفان الذي نسف عادات وتقاليد الأسر. بالمقابل اللوحة المجزأة هي خير تعبير عن حالات إيجابية عن تماسكنا وتلاحمنا على حب الأرض والوطن ولمة الأهل. هذه التجربة هي حالة تعبيرية من استنباط الذاكرة معبرة عن الجدار. وقد اعتمدت على المربع وحدة بناء بلغة تشكيلية ذات المبنى الخشن بمعاجين تأسيس اللوحة.
طبعاً العرض أفقياً، يكون بإحساس مختلف عن العرض العامودي. يمكن القول : اللوحة المجزأة ربما تعبر عن حالة التشتت والانقسام للبيت العربي، وعناصر البيت بالمربع أي وحدة متماسكة أمل باللمة للبيت العربي.
تحملين رسالة تربوية وأخرى تشكيلية، فما الذي تودين قوله عبر هاتين الرسالتين؟
كوني مدرِّسة لمادة التربية الفنية فأنا أعدّ الفن من أهم مؤشرات زيادة الوعي في المجتمع والاهتمام بتربية النشء ومسؤولية اكتشاف الموهوبين التي تقع في المقام الأول على عاتق الآباء والأمهات ثم المدرسين والموجهين التربويين، ووسائل الإعلام التي بدورها تلقي الضوء عليهم، والعمل على إبرازهم. ومن هنا ومن موقع عملي بدأت بالإهتمام بالمواهب الواعدة ورعايتها والعمل على البحث عن مفاتيح وأساليب النجاح وفق فلسفة وخطوات تقودنا إلى المعرفة والعمل على المساعدة. وبالمقابل عدم التعرف عليهم قد ينعكس سلباً على المجتمع وعبئاً على نفسه. وبالتالي عند تشجيعهم نساعدهم على تحديد مستقبلهم ونجاحهم أما عن رسالتي التشكيلية، فأقول: الموروث الشعبي بذاكرته هو المدى الواسع الذي يأسر ريشتي الشغوفة بذاكرة المكان والبيوت العربية من خلال توظيف فنون الريشة والفنون الزخرفية التي تحمل تفاصيل الهوية والتراث، وهي تقاسيم مفتوحة على خصوصية عناصر معمارية أي مساحة لاستنباط المشاعر والانفعالات. فهي رمز احتواء اجتماع الأهل.. وسيلة ورابط من روابط العلاقة مع المدينة. وهي تفضي إلى اللوحة التي هي بالأساس:
خلاصة أفكار ومشاعر وتجارب.
كلمة أخيرة للفنانة التشكيلية ليلى طه..
علمني الرسم أن أعطي لنفسي وللآخرين. والفنان يرسم ويلون ذاته في لوحات تحمل تفاصيل الهوية، والتقاسيم مفتوحة على خصوصية ذاكرة المكان ذات الشرفات الواسعة التي توحي بالتحرر من سكون الواقع المحيط إلى طموح روحي بالتوثب والانطلاق . إنها فلسفة الفن يتدفق المضمون من الفكرة المجبولة في الذات لتنهض وتخلق صورة مختلفة.
وأنا أغمس ريشتي الحالمة في عمق التاريخ الذي تحمله أوغاريت التي أهدت للبشرية خطابها الإنساني ليكون حواراً حميمياً بين الأمم.
أخيراً أقول: أزرع في الأصص بقايا أحلام عبر الورود لأضعها في أول كل طريق من طرق بلادي لتنشر تباشير الخير والحب لغد مشرق مفعم بالأمل والآمال بعودة الأمن والأمان إلى كل شبر من ربوع وطني الغالي سورية.
 

الفئة: