إن أقنعتنـــا المحاولـــــة فالمكان يدهشـــــنا .. مركز (لحــظ الأحــداث) والأســـئلة التي تزرع المكــان في كلّ اتجاه

العدد: 
9127
التاريخ: 
الأحد, 10 حزيران, 2018
الكاتب: 
تحقيق. ربا صقر / ت . حليم قاسم

 مؤسسةٌ تربويةٌ بامتياز، من أجله يجب أن تتضافر الجهود لبنائهم، أولئك الأحداث الذين انحرفوا فأذنبوا فأودعهم القانون ساحة هذا المركز بغية رعايتهم، وإعادة تأهيلهم ليستقيموا في وطنٍ وأمةٍ صالحين نافعين.
 ثمانون حدثاً دون السِّن القانوني، بعضهم يتيمً، أو الأمٌّ تخلَّتْ، أو البيئة ضاقت وانحرفت، أو الحاجةٌ لليرةٍ لم يجدوها، أو المَعِدَةٌ جاعتْ فسوَّلتْ.
في مركز ملاحظةِ الأحداث (قرية شيرصورو) ينزل أولئك الأحداث، فهل ارتقى المركز والعاملون فيه ومديرية الشؤون الاجتماعية  والعمل إلى الهدف المرسوم؟
للاطلاع على حالة المركز، إنْ لجهة صلاحية المبنى، أو لجهة تربية الأحداث وتعليمهم، وتقويم سلوكهم، وإكسابهم المهارات اللازمة، حصلنا على موافقة السيد  النائب العام القاضي شكيب صبوح، والتي تُخولنا زيارة المركز والاطلاع على ما يقتضيه تحقيقنا..

 اتصل مدير المركز السيد نزار قدار بالسيد مدير الشؤون الاجتماعية والعمل وأخبره بوصولنا إلى المركز، وأنهى اتصاله وقال لنا معتذراً باستحياء: إن مدير الشؤون طلب حضوركم  إليه، ولست مخوّلاً بالحديث معكم عن المركز،  مع الإشارة إلى اتصال السيد النائب العام بمدير المركز، والطلب إليه تسهيل مهمتنا وإفادتنا بما يجب.
في مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل
 عدْنا إلى مديرية الشؤون الاجتماعية، وأخبرنا مديرها بوجودنا وانتظرنا ساعةً ونصف فقط! ليطلب إلينا مدير مكتبه مراجعة رئيسة شؤون دائرة العاملين التي دخلت على مديرها وخرجت، لتطلب إلينا توقيع مهمة بهذا الشأن من رئيس تحرير جريدتنا، حملنا مهمتنا، وأستأذنّا السيد مدير الشؤون مرةً أخرى، ودخلنا بعد انتظار وانتظار ليقول: مدير مركز ملاحظة الأحداث مكلفٌ بهذه المهمة، ولن يتمكن من إعطائكم المعلومات، فما هي المعلومات المطلوبة؟
 سألناه عن المهارات التي يتعلمها الحدث في المركز فأجابنا بقوله: توجد في مركز ملاحظة الأحداث ورش متعددة كالنجارة والحدادة والخياطة والحلاقة، وجميع تلك الورش مغلقة الأبواب، فآلاتها تحتاج لصيانة، بالإضافة إلى عدم توفر وسائط النقل التي تنقل المدربين إلى مبنى المركز، منّوهاً أن ورشة الحلاقة هي الوحيدة التي تعمل.


 مبنى قديم وسقف يكاد أن ينهار
ثم استفسرنا عن حالة المبنى فقال: بتوجيهٍ من السيد محافظ اللاذقية بعد الزيارة التي قام بها إلى مركز لحظ الأحداث، وجّه إلى توقيع عقدٍ مع الإنشاءات العسكرية لترميم المبنى، والذي بني منذ عام 1982، وتمَّ توقيع العقد والمباشرة بأعمال الترميم، بعد أن تمت الدراسة الفنية للاحتياجات اللازمة للمبنى من قبل مهندسي الإنشاءات العسكرية ومديرية الشؤون الاجتماعية، وفي السياق نفسه أتمَّ مدير الشؤون حديثه قائلاً: تقوم جمعية رعاية المساجين التابعة للشؤون الاجتماعية والعمل بأعمال صيانة وإصلاحات بسيطة في المبنى مثل صيانة الأدوات الكهربائية (براد – تلفزيون) صنبور ماء وغيره، ولكنَّ مركز الأحداث يحتاج إلى صيانة دائمة.

 

 


 سألنا السيد مدير الشؤون عن القيمة الإجمالية للعقد فامتنع عن الإجابة، واعتبره سراً، ومع عدم قناعتنا في أن يدخل رقم كلفة الترميم ضمن الأسرار أمام الإعلام الوطني، انتقلنا للحديث عن مشكلةٍ أخرى في مركز لحظ الأحداث، وقد وصفها السيد مدير الشؤون بالمشكلة الكبيرة، وتتعلق بمخصصات الطعام التي تبلغ -125- ليرة سورية في اليوم للحدث، وهذا المبلغ لا يكفي لشراء قطعة بسكوت، وعن كيفية معالجة هذه المشكلة شرح مدير الشؤون قائلاً: يقوم الهلال الأحمر السوري، وجمعية أسرة الإخاء بتقديم سللٍ غذائية، ومع ذلك تبقى هذه الكميات غير كافية، لذا يتم سحب مواد غذائية من مؤسسة التجارة الداخلية بالتقسيط، وتسديد الدين في الأول من كل شهر.


مطبخ بلا أدوات ومطعم بلا كراسي
 وصلنا المركز وبالقرب من باب السور المحيط بمركز ملاحظة الأحداث، وجدنا حاويتي قمامة مليئتين، وقد انتشرت القمامة حول الحاويتين، وانتشر الذباب، ما يدلُّ (ربما) على عدم ترحيلها منذ وقتٍ، علماً أننا لاحظنا وجود الحاويتين مليئتين في زيارتين متتاليتين للمركز، ثم أصبحنا في ساحة المركز المليئة بالأعشاب الطويلة والكثيفة، والتي لم يلحظها على ما يبدو أحدٌ بالعناية والاهتمام، وليت أحداث المركز قاموا بإيعازٍ من أحد بتنظيف الساحة  التي يخرجون إليها ويجدون فيها المتعة والراحة وانشراح النفس، ثم تجولنا في أجزاء المبنى بصحبة مدير المركز السيد نزار قدار، مطبخ واسعٌ وفسيحٌ يخلو من كل شيءٍ إلا من ملاعق وصحون نحاسية، وطناجر كبيرة، وإن سألت ولا غير هذا، قلنا لم نجد براداً أو غازاً أو مؤونة غذائية لإعداد وجبة طعام واحدةٍ، وللإنصاف وجدنا ما يسمى (غاز غسيل) في الممشى المؤدي إلى المطبخ، أما المطعم حيث يتناول الأحداث طعامهم- كما قالوا لنا- فكبيرٌ وواسعٌ أيضاً، ولكن لا طاولة ولا كرسي وكأن الأحداث يأكلون على الواقف، أو القاعد على الأرض العراء، وربما جلسوا القرفصاء وبعد الفراغ من الطعام يجدون صنبور ماءٍ واحداً وحيداً، وبقية الصنابير إما عاطلة أو لا وجود لها أصلاً.
أما الحمامات فتحوي ثلاثة أجهزة تسخين، اثنان منها معطلان والثالث يعمل، ولا ضير فالشتاء بارد لا يستحم فيه المرء، وحرارة الشمس صيفاً تكفي لتسخين المياه.


 دخلنا مهاجع نوم الأحداث حيث كان الأحداث في مهاجعهم ولم يخرجوا بعد للفسحة في الساحة، في المهاجع وجدنا أسرّة النوم كافية بعددها وعدَّتها، وإن كانت من النوع الحديدي الفردي القديم، وإذا نظرت إلى السقف، وخاصة سقف المطبخ والمطعم والممشى المؤدي إليهما، لوجدته متآكلاً متهالكاً تخشى في أي لحظة من سقوطه فوق الرؤوس، وقد بانت فيه قضبان الحديد، ترشح منه المياه، حتى أنَّ خزان الماء يخلو من (فواشة) وتسيل المياه على السطح ليتم الرشح بسرعة وغزارة.
 سألنا عن الإنارة المفقودة في المطبخ والمطعم، وبقية أجزاء المبنى وعن بللور النوافذ المكسور، فقال أحد الإداريين إن هذه النواقص مما ستتم معالجتها بالعقد المبرم، ونحن نعجب كيف يتم إعداد الطعام وتناوله دون إنارة ولو بمصباحٍ كهربائي واحدٍ.
 أُعجبنا بغرفة الزوار حيث يلتقي الأهل بأبنائهم يومين في الأسبوع، فقد كانت الأحسن حالاً، فالجدران  مطلية، والمقاعد الخشبية القليلة موجودة، وقد زينت بأوراق الأشغال الملونة، والتي قد تكون من صنع الأحداث.


ماذا يقدّم للأحداث؟
دخلنا مكتب الأخصائي الاجتماعي السيد علي إبراهيم إسماعيل واستفسرنا عن طبيعة عمله ودوره في المركز فأجاب:
نحن نحاول تخفيف الضغط النفسي والعصبي عن الأحداث الذين نحمل أمانتهم، ونعاملهم كأبناء، فعند وصول الحدث إلى المركز نجري له دراسة اجتماعية في إضبارة تحوي معلومات عن شخصية الحدث، والشكل العام له، والمظهر الخارجي، والوضع الأسري، كوجود حالة طلاق أو وفاةٍ، والوضع الدراسي، والصحي، وهنا يتدخل طبيب المركز عند اللزوم (كما نقدم محاضرات التوعية الاجتماعية والدروس التوجيهية). 
سألنا مدير المركز فتح أبواب الورش المغلقة لكنّه رفض ذلك قائلاً: الآلات في هذه الورش تحتاج لصيانة، ووسائط النقل غير متوفرة لنقل المدربين إلى المركز ولا داعي لفتحها.
 والسؤال الأكثر إلحاحاً هنا: هل تتم متابعة الحدث بعد انتهاء مدة إيقافه وعودته إلى المنزل؟ ليجيب مدير المركز وبكل بساطة: إنَّ رعاية الأحداث بعد انتهاء مدة إيقافهم ومتابعة شؤونهم والإشراف عليهم غير مفعل بسبب ضعف الإمكانات المادية، وعدم توافر وسائط النقل.
تناقض!
 ولمعرفة الدعم المادي والعيني الذي تقدمه الجمعيات الأهلية لمركز ملاحظة الأحداث زرنا الدكتور منهل ياسين قصاب عضو المكتب التنفيذي للصحة والشؤون الاجتماعية والدفاع المدني فسألناه عن وضع المركز والترميم وما يقدم له من قبل الجمعيات فأجاب:
 بعد زيارة المحافظ وجه لترميم دار المتسولين في الشير والذي يقع بالقرب من مركز ملاحظة الأحداث ونظراً لمعرفتنا بالمنطقة وزيارتنا لسجن الأحداث مرتين متتاليتين لم نلحظ وجود مبنى لدار المتسولين سأله زميلي رئيس شعبة التصوير الصحفي حليم قاسم أين يقع دار المتسولين فأكد الدكتور منهل وجوده قرب مركز ملاحظة الأحداث، وعندما قرأ الدكتور منهل الاستغراب على وجوهنا قال: سأتصل بالسيد مدير الشؤون الاجتماعية، وأسأله، وبعد مكالمة هاتفية مع السيد مدير الشؤون، ونحن في مكتبه أكد لنا حسب مدير الشؤون- أن المبنى يقع ضمن سور مركز لحظ الأحداث، وله باب مختلف عن باب سجن الأحداث، وهو مؤلف من طابقين، ونظراً لقناعتنا بعدم دقة الكلام، اتصلنا بعد خروجنا من مكتب الدكتور منهل بالسيد مدير الشؤون عن مكان وجود هذا الدار فأجابنا على الفور: لا يوجد في اللاذقية مبنى يحمل هذا الاسم، وطلب منا زيارته لنتحدث بالتفصيل بعد أن أخبرته أننا علمنا من مصادرنا الخاصة قيمة العقد المبرم مع الإنشاءات العسكرية والبالغة عشرة ملايين ونصف المليون.
 في اليوم الثاني اتصل الدكتور منهل ليخبرنا بأنه فهم خطأ على السيد مدير الشؤون، ولا وجود لمبنى يدعى دار المتسولين! 
 زرنا مدير الشؤون بناءً على طلبه ليقول لنا:
 بعد زيارة السيد المحافظ تم تغيير إدارة مركز لحظ الأحداث، لأنَّ الوضع لم يعجب المحافظ على حدِّ قول مدير الشؤون، ووجه بترميم المبنى بشكل كامل، لافتاً إلى وجود جناح فارغٍ في المبنى، وجّه المحافظ باستثماره ليكون داراً لرعاية الفئات الضعيفة في المجتمع (دار عجزه- دار حماية أطفال)، وبعد توجيه كتب من مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل إلى السيد المحافظ لحاجة المبنى إلى الترميم، قام السيد المحافظ بمخاطبة الجهات المعنية لتمويل المشروع، وتم تخصيص مبلغ غير كافٍ للترميم تم تحويله من المحافظة إلى الميزانية الاستثمارية للمديرية، ومباشرة تم القيام بإجراء دراسة فنية مع الإنشاءات العسكرية، والدراسة أصبحت جاهزة، وقد تم توقيع عقد حيث قام المهندسون بزيارة المبنى ووضعوا بنود الترميم التي تتناسب مع المبلغ المحدد.
ترميم بالتدريج وتفعيل ثلاث ورش
 وأشار إلى وجود مبلغ قادم، وسيتم الترميم بالتدريج، وسيكون الفرق واضحاً خلال أشهر الصيف الثلاثة، وأكد على تفعيل ثلاث ورشات أول الشهر القادم: ورشة النجارة والخياطة والحلاقة، حيث تم التعاقد مع المدربين، وأشار إلى وجود جهة ما ستدعم الموضوع.
 وتحدث السيد مدير الشؤون عن إدارة الحالة والتي تعني متابعة وضع الحدث بعد خروجه من مركز ملاحظة الأحداث بآلية معينة لتساعده بالعودة إلى المدرسة.
 تناقض واضح وقع فيه السيد مدير الشؤون الاجتماعية، ففي زيارتنا الأولى له أكد بدء عمليات الترميم وقال بالحرف: لو ذهبتم إلى المركز الآن ستجدونهم يعملون، وفي زيارتنا الثانية سألناه إذا لم يبدأ الترميم حتى الآن ليجيب نعم لم يبدأ حتى الآن، علماً أننا ذهبنا مرتين متتاليتين إلى مركز لحظ الأحداث ولم نجد أي أثر لترميم أو عمل إنشائي، في الزيارة الأولى أكدّ  السيد مدير الشؤون على وجود مشكلة عدم توفر وسائط النقل التي تنقل المدربين إلى الورشات الموجودة في مركز ملاحظة الأحداث، ليقول لنا في زيارتنا الثانية له والتي لا تفصلها عن الزيارة الأولى سوى يومين أن المشكلة حلت وستفعل هذه الورش بداية الشهر فهل يعقل هذا الكلام نأمل ذلك على الرغم من أن الورش مغلقة منذ أكثر من عشرة أعوام كما أكد لنا مدير مركز لحظ الاحداث. 
لنا كلمة
 عندما نريد تسليط الضوء على أمرٍ ما فلا نناصب أحداً العداء، ودافعنا حس وطني وشعور أخلاقي، والكلُّ يسعى باتجاه هدف حميد واحد، قد نخطئ ونصيب، وفي مسألة مركز ملاحظة الأحداث نتجه للقول:
*  يجب أن تكون في المركز برامج تربوية تعليمية معدة سابقاً، تعطى في أوقاتها، وأن ينهض بهذه المحاضرات مربون أكفاء في قاعةٍ تحوي السبورة والمقعد، وأن يتأكد المحاضرون أن لتوجيهاتهم وقعاً حسناً في نفس الحدث، بحيث يعيدون بناءهم بناءً حسناً، ونحن متأكدون أن المحاضرين موجودون، ووسائل النقل متوفرة بكلفة قليلة، كما يمكن الاعتماد على مديرية تربية اللاذقية والتنسيق معها في هذا الأمر الأكثر أهمية، والأمر لا يحتاج إلى مزيد من التفكير بل إلى النية والتنفيذ.
 * إذا كان الحدث أميّاً فمن واجب الشؤون الاجتماعية أن تبحث عن المعلمين، وتضع الأحداث في صفوف تناسب أعمارهم، ليلتحقوا بتعليمهم بعد انقضاء مدة الحكم، وما أكثر المعلمين الذين يساهمون بهذا الأمر إذا تم التنسيق مع مديرية التربية، ولا يحتاجون إلى وسائل نقل مكلفة.
* أليس من الأفضل أن تُعِدَّ مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل صالة في المركز يأخذ كل حدث مقعده، فيها يشاهد برامج تلفزيونية رشيدة، وأشرطة كاسيت منتقاة، وأن يرشدهم معلم أو محاضر أو مختص فيما يتساءلون ليرى الأحداث أنفسهم في جو حضاري أخلاقي ويخرجوا من ماضيهم المظلم الموحل.
 لا ننكر هناك صالة في المركز، ولكن بتلفزيون واحدٍ، ودون مقاعد ومشرف، ودون برامج انتقاها خبير أخصائي.
* متى يتم تنفيذ العقد والمباشرة بأعمال الترميم وقد مضى على زيارة السيد محافظ اللاذقية للمركز حوالي ستة أشهر فأين تكمن العقدة والحل؟
* أما مشكلة صنابير المياه العاطلة والإنارة المفقودة والبناء المتآكل فقد أشرنا إليها في ثنايا تحقيقنا.
 أما بخصوص الورش وآلاتها فلماذا لم تسع مديرية الشؤون إلى إصلاح الآلات المعطلة، ولا نعتقد ذلك مكلفاً يتجاوز الممكن، ثم تعمل على إيجاد كادر تدريسي والثانوية الصناعية باللاذقية مليئة بمعلمي الحرف من نجارة وحدادة وكهرباء وغيرها ليكتسب الأحداث مهارات تمكنهم من صناعة مقعد يجلسون عليه وطاولة يستخدمونها وسبورة تفيدهم في محو أميتهم.
إذا كان رأينا صحيحاً ولسنا من أصحاب الاختصاص فمن المسؤول عن هذا التقصير.. سؤال برسم مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل.
 

 

الفئة: