الأدب ونحن ..

العدد: 
9127
التاريخ: 
الأحد, 10 حزيران, 2018
الكاتب: 
سلمى حلوم

كما للكون مداركه المحسوسة والملموسة بنظامه التراتبي الدقيق، للإنسان في هذا الكون كونُه وعوالمه في تراتبية وعشوائية انفعالية حسية وعقلية معاً .. ومنذ وجد هذا الإنسان حاكى عالمه بما استطاع وملك من أدوات سخرّها ليتواصل ويصل، يلامس الحياة في مجملها، يتكيف ويكيّف واقعه في محاولة لعيشٍ كريم مأمول دائماً 
ولذلك كانت في البداية اللغة الإيمائية بما تملك من إشارات ورموز طورها الإنسان بتوق لمعرفة محيطه بعدها إلى رسوم وأحرف حاولت ربط الكلمة بمتطلبات العقل والروح معاً، ولأنها الحاجة القصوى، ظلّ التطور يرافقها في أشكالها المختلفة والمتعددة، وظلّت اللغة هي الصلة الملحة للشعوب مع كل شروق للشمس، ومع كل انعطاف زمني وجغرافي 
هذه اللغة وصلت العوالم وحاكت البشرية بعضها من خلالها، وقد تعلّقت بظروفها والتصقت وتلاقت وتفاعلت، ازدهرتْ في مواقع واندثرتْ في مواقع أخرى كثيرة في صيغة بشرية تتجه نحو الفاعل والمؤثر والبنّاء . 
الأدب بأنواعه الكثيرة، كان ساعِدُ هذه اللغة ونتاجها، أداتها في التعبير عن خصوصية هذا الكائن على الأرض وله المكانة الأولى في إعداد النفس، وتكوين الشخصية، وتوجيه السلوك الإنساني بوجه عام هو حالة من اليقظة تنطلق من الشعور الإنساني وتؤدى إلى فهم الإنسان للحياة، وتفتح أمامه أبواب المعرفة بها، ويهيئ نفسه لتقبل ما يحيط به من مظاهر العيش فمنه وله كانت تنقش العناوين التاريخية، والحكايات، ودروب تطور الحياة عبر مسيرها، هو الواصل بين الماضي والحاضر .
وفي مواقع كثيرة كان الأدب هو الفاعل وليس المتلقي، هو المحرض وما قاله  نجيب محفوظ « الأدب ثورة على الواقع وليس تصويراً له، هو تعبير دقيق تماماُ استخدمته البشرية في العديد من المواقف الرافضة للاستعمار ولعبوديته لذلك ما بين هذه الثورة الداخلية والخارجية ومدخراتهما بقي الأدب يعتبر أهم أسس نهضة الأمم، وأقوى الدعائم الفكرية التي تسند مسيرتها نحو الحضارة والازدهار 
لكن الحركة البشرية لم تقف وظلت تماشي واقعها والتغيرات الحاصلة، سواء السلبية منها أو الإيجابية ليكون الأدب مرآة هذه الحركة ومحركها في أغلب الأحيان، فالحروب التي تعرضت لها بقاع كثيرة، صبغ النتاج الأدبي بملامح الحروب وطبعها بطابعه بالامتداد الطبيعي أو بالغزو الفكري العفوي والممنهج كما كان للظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بما أثمرت وما رافقها من تحولات بشرية  لتفرز لغة إنسانية تؤرخ، وتروي ما حصل، إضافة إلى التطورات العالمية العلمية والمكتشفات كان لها الدور الهام في التمازج مع الواقع والتأسيس لمستقبل يمضي نحو الأمام،  كان فيه للترجمات دور هام وفعال في النقل والتفاعل والالتقاء في ساحات الأدب  وكما يقول توماس هنري هكسلي: «العلم والأدب ليسا شيئين مختلفين، بل وجهين لشيء واحد» .
    لذلك ورغم بعد المسافات الزمنية والجغرافية عبر التاريخ كان وبقي للأدب بنوعيه الشعر والنثر الشأن عظيم في الإدراك اللغوي والتذوق الجمالي وصورة التصور الذي شهدناه ونشاهده وسنشهده طالما الحس الإنساني موجود ولطالما ما زالت هذه الروح تتوق للبوح عن مدركات يومها وعمرها ..
ولعلّ ما قاله  «دوستويفسكى» في مقولته الشهيرة عن أهمية الأدب فى حياة الإنسان: «إنّ الأدب شيء رفيع جداً، إنّه لشيء عميق، شيء يقَوّى قلوب النّاس، ويُغذّى عقولهَا»، 
في بلد الأبجدية الأولى، كان للأدب مكانته المقدسة، فخُطَّتْ القصائد، ونُسِجتْ الحكايا، وكان للأدب العربي والسوري مكانة مميزة في بوتقة الأدب العالمي، به أسماء شامخة اعتلت المنابر ومازالت تعتلي،  تُعلي الكلمة، وتوصل الصوت ومنهم ما زال يخط سطوراً من العزة والكرامة على أرض سورية المباركة دوماً 
صفحة إبداعات، كانت السباقة دوماً للإضاءة على كل إنتاج أدبي سوري أو عربي أو عالمي، وسنظل على العهد لأن ما حمله وما يحمله العقل العربي عموماً والسوري خصوصاً يحمل الكثير من الغنى لمجتمعه وللمجتمعات الإنسانية كافة . 
في أيام مباركة تتمنى صفحة إبداعات لكل الأقلام التي سطرت وما تزال تخط على سحائب التاريخ  همومنا بكل وجدانية، كل المحبة والسلام .. وكل عام وأنتم بخير. 
 

الفئة: