ســـــــــــوق الســــــــمك في اللاذقـــــــــية ..من تحـــــــــت الدلـــــــف إلى تحـــــــــت المـــــزراب !

العدد: 
9123
التاريخ: 
الاثنين, 4 حزيران, 2018
الكاتب: 
هلال لالا

 قد يبدو العرض مغرياً وقد تكون حاجة ملحة فرضتها أخطاء سابقة ولكن ما يأمله أهالي اللاذقية وتجار الأسماك أن يكون اختيار الموقع موفقاً هذه المرة بعد خيارين خاطئين كانا السبب في ضياع هوية سوق السمك أو ما كان يعرف بساحة السمك والتي كانت نقطة علامة ومركز بيع وجذب حقيقي للقاصي والداني.
 كما يأمل الجميع أن يكون الموقع الجديد مناسباً للتجار والأهالي والجوار ولا يسيء إلى البيئة كما حدث ويحدث في الموقع الأخير.

عودة إلى الوراء
هذه المقدمة سببها توجيه محافظ اللاذقية بعد زيارته منذ أيام إلى سوق السمك الحالي إلى اللجنة المشكلة من مجلس مدينة اللاذقية ومديرية الزراعة وممثلين عن تجار وصيادي سوق السمك، حيث وجّه بضرورة إنهاء فوضى السوق والبحث عن موقع بديل يتمتع بالمواصفات التي تؤهله لهكذا عمل ومزود بتقنيات تمكنه من العمل عشرات السنين.
وهذا هو العرض الذي بدأنا حديثنا حوله وأشرنا أنه قد يبدو مغرياً وقد تكون هناك حاجة ملحة لمثل هذا التوجيه ولكن الخوف أن يكون الانتقال كسابقه.
حيث إن الموقع الحالي لسوق السمك هو الثالث خلال بضع سنوات في حين استمر السوق القديم ما يزيد عن خمسين عاماً وعندما تمّ إنهاء العمل فيه كانت عيوبه هي ذاتها التي دفعت بلدية اللاذقية لإغلاق بديله،ساحة السّمك القديمة في اللاذقية كانت اسماً على مسمى، نقطة علّامة يرتادها الأهالي والزوار كانت المحلات مملوكة من قبل تجار السمك وكان هناك بيع على الأرصفة تماماً كما يحدث إلى اليوم ولكن في أماكن متفرقة، أمّا المحلات في تلك الساحة فقد كانت مجهزة بكل مايلزم للإتجار بالسمك وكان من الممكن تشديد الشروط وتحديد مواصفات أكثر صرامة والإبقاء على هذه المحلات كصالات لبيع السمك كما هو الحال في بعض المسامك المنتشرة في معظم الأحياء.
 ولكن بلدية اللاذقية أصرت عام 1997 على إلغاء هذا السوق وأجبرت التجار على الانتقال إلى موقع آخر في حي العوينة ويعتبر هذا الحي من الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية فأي مفارقة بهكذا قرار فإن كان العذر لإلغاء السوق القديم أنه في منطقة مكتظة، وأن روائح الأسماك تزعج الجوار ألا يعتبر هذا الاختيار نقلاً أو ترحيلاً للمشكلة وليس حلاً لها؟
 تعالت أصوات تجار السمك على هذا القرار وسجلوا اعتراضهم على الموقع مؤكدين أنّ اختيار المكان خاطئ لكن أحداً لم يستمع لهذه الملاحظات، وقد كانت جريدة الوحدة واحدة من الوسائل الإعلامية التي واكبت هذه المشاورات بين الطرفين، وبالنهاية تم قفل سوق  السمك إلى حي العوينة ولكن سرعان ما تعالت الأصوات المعترضة من قبل الجوار واصفين الخطوة بغير المناسبة، وبدأت بلدية اللاذقية رحلة البحث عن موقع جديد وللمرة الثانية جاء الاختيار غير موفق حيث قامت عام 2005 بالإيعاز إلى تجار سوق السمك بالانتقال إلى السوق الجديد بالقرب من مسبح الشعب في منطقة الكورنيش الجنوبي ولو توقفنا عند التسمية فقط لوجدنا أن الاختيار خاطئ، فأي سياحة وأي سباحة ستكون بالقرب من ساحة  أو سوق للأسماك، ناهيك عن بعد المنطقة جغرافياً عن مركز المدينة وبالتالي ستنعدم إمكانية التسوق الشعبي لمادة  السمك لأن السوق السابق كان ضمن بقعة التسوق العام  فيكثر تردد المستهلكين.
 أما عذر البلدية في الانتقال من سوق حي العوينة فهو ذاته الذي تذرعت به في المرة الأولى وقد تم تنبيه المعنيين إلى حتمية تكرار العذر والسبب والعلة وقد حدث ذلك فعلاً ولكن بعد أن تكلفت بلدية اللاذقية مبالغ طائلة لبناء سوق السمك في حي العوينة حيث بلغت تكلفته آنذاك 27 مليون ليرة سورية وهذا الرقم كان له وزنه في تلك الفترة، أما  مدة الاستثمار فقد بلغت سبعة أعوام فقط فأي جدوى اقتصادية تحققت من وراء هذا المشروع لاشك أنه خاسر بامتياز.
ضرر بيئي
 وكما حدث في المرة السابقة عندما اعترض أصحاب المحلات في السوق  القديم بالقرب من ساحة أوغاريت عاد شاغلو المحلات في سوق العوينة ورفضوا الانتقال وأكدوا أن المكان بعيد وغير ملائم ولن يكون الوصول إليه ميسراً، كما اعتبروا حينها شروط البلدية مجحفة بحقهم حيث تمت مطالبتهم ببدلات استثمار مضاعفة عدة مرات ولم توافق البلدية على مبدأ المقايضة محل بمحل، كما كانت حسابات البلدية للفروغ القديم وفق الأسعار القديمة في حين احتسبت قيمة الفروغ الجديدة وفق الأسعار الرائجة حينها، وبعد كثير من الأخذ  والرد ومع استخدام البلدية لكامل صلاحيتها من تشميع وإغلاق للمحلات القديمة أذعن تجار السمك لشروطها وانتقلوا إلى السوق الجديد في منطقة مسبح الشعب، وقد تابعت حينها هذا الملف وكان في تلك الأثناء الحديث قوياً حول مشروع إنشاء  أوتستراد ساحلي على طول الشريط الساحلي الجنوبي وصولاً إلى طرطوس، وعندما استفسرنا من رئيس البلدية حينها حول هذه النقطة وإمكانية تعارضها مع إقامة سوق السمك أكد أنّ المشروع لايزال قيد الدراسة وأنّه في حال التنفيذ سيبتعد عن موقع السوق مستبعداً أن تقوم البلدية بإنشاء سوق أو ساحة للسمك بتكاليف كبيرة لو كان هناك تعارض وأقر وقتها أن عملية نقل سوق السمك من سوق أوغاريت في مركز المدينة إلى حي العوينة كان خطأ، واعتبر أغلب المعنيين أن الموقع الجديد مناسب جداً كونه في منطقة قريبة من البحر وبعيد عن التجمعات السكانية الكثيفة، ولكن فعلياً هذا الكلام غير صحيح لأن الكثافة السكانية ليست عملية ثابتة وقد تضاعف عدد السكان في المنطقة عدة مرات خلال السنوات الأخيرة كما أن روائح الأسماك ونواتجها تحملها تيارات الهواء إلى الأحياء المقابلة لها في منطقة الكورنيش الجنوبي، وما يؤكد ما نذهب إليه هو شكاوى الأهالي والجوار بعد حوالي عام من وضع السوق بالاستثمار، وهذه المرة كان ثمة شكوى جديدة تتعلق بالبيئة حيث ظهر ضرر بيئي في مياه البحر مقابل السوق نتيجة المياه الناتجة عن سوق السمك، الأمر الذي دفع المعنيين إلى إنشاء مصافٍ ومحطات فلترة جديدة ضمن ما أطلق عليه ملحق عقد، ولكن اليوم جميع المصافي ومحطات الفلترة لم تعد تعمل وأصبحت مياه البحر على امتداد واسع ملوثة بفضلات الأسماك، كما أن حركة البيع الشعبية قليلة جداً والعمل بات يقتصر على مزايدات للبيع بالجملة ويستمر العمل في السوق من الخامسة فجراً وحتى الواحدة ظهراً فقط، ولكن البيع الحقيقي للأسماك فسيتم في أحياء المدينة وعلى مختلف الأرصفة وفي بعض المحلات.. ويبقى الأمل باختيار موفق هذه المرة ينتج عنه سوقاً حقيقياً وفعالاً لأسماك اللاذقية.
 

الفئة: