المطعــــــم البيئي الأول في اللاذقـية ... ضجــــــــيج ريف وحقول يحــــرك شوقاً وجمراً في جـــــرار وفخـّـــار

العدد: 
9123
التاريخ: 
الاثنين, 4 حزيران, 2018
الكاتب: 
هــــــدى سلوم

بين جدرانه وشطآنه تحتشد حياة الريف ومفرداته التي افترشوها بقصاصات الطبيعة وعطورها، فتحاصرك تراتيل فجرهم الذي اغتسل بندى أحلامهم ودفء شمس النهار، وتقودك أغانيهم البصرية وحكاياهم إلى ضجيج الحقول ووهج التنور، ليدبّ الفرح وتنسل السكينة والهدوء في نفسك، وسفح الروح يفتح ذراعيه لمدى من الجمال والنقاء ملء الكون في غفلة عن هذا العالم الذي استهلك الروح والجسد لتعيش خلفه في سبات عميق مع تقنياته التي ألهتك عن بهاء وألق الوجود والخلق.
في تجربة بصرية ولونية ووجودية للريف ومكوناته وجمالياته كان لمديرية الزراعة- المطعم البيئي الأول في اللاذقية، والذي تفرد بعطور ونكهات مأكولات الريف وعيش أهله، وأدوات تفوح بالنقاء والبساطة والأصالة تحرك الشوق والحنين لماضٍ أصيل مرتبط بالأرض والكد والتعب والجمال، حيث لاوجود للتعقيدات وتقليعات الغرب و(همبرغراته) التي ابتليناها بأمراض وأنين آلام وصراع أوجاع.
أشارت الآنسة نجلا «وهي تهمّ بالخروج من المطعم» إلى أنها تأتي وصديقتها ديما كل يوم، وقد اعتادت على الدوام وأصبح لها كرسي في المكان اعتادت الجلوس عليه، تأتي لتتناول فطوراً طبيعياً بسيطاً من المناقيش واللبنة المفعم بالطيب والصفاء والصحة، وهو ما كنّا نتناوله عند الجدات، ونوهت بأنها خبيرة تغذية وتعرف مضار أكل المطاعم الملبس بنكهات الغرب وتلوثه بأصناف من الأضرار التي تأتي على الجسم بالهلاك، كما أشارت صديقتها ديما أنهما موظفتان ولم تدخلا المطاعم  التي تستهلك معظم راتب الشهر حتى كان هذا المكان، إضافة إلى أن الأكل صحي ونظيف أيضاَ الأسعار معقولة ومشجعة للتردد عليه.
أشتم رائحة الضيعة وأمي وأبي
أم أكرم وأختها تتجاوز أعمارهن 65 سنة، جلستا وسط المطعم، اقتربت وسألتها عن المكان وأسباب الزيارة.
 فردّت أم أكرم: آه ما أحلى أيام زمان وهذا المطعم رأيته يشبه قريتي وبيوتها وعطورها، أكاد أشتم رائحة أمي وأبي وأخوتي في الدار، وأتلمس جوانب الحقول وخرير عين الماء، وأرى صوري مع رجلي الذي أحببت، إن هذا المكان جميل جداً بكراسيه الخشبية ومفروشاته المشغولة بقصاصات الأقمشة وبواقي رداء، انظري إلى جمال الجرار والأواني الفخارية التي ترطب القلب والروائح الذّكية التي تنعش القلب، وأختها تقول: هذه أول مرة نأتي بها إلى المطعم ولن تكون الأخيرة، نحن نسكن المدينة ولم يعد لدينا أراض وحقول، أو حتى حجر في القرية أو أقرباء، فهذا الزمان قد جار على الكل ونشتاق إلى الطبيعة والقرية التي وجدناها في المطعم.


السيدة رؤى تأخذ «سيلفي» داخل المطعم والأواني الفخارية تحيط بها وأرغفة الخبز، قالت: آه لو أستطيع أن أنقل رائحة هذه الفطائر إلى كل من أحب، ويردّ ابنها الذي انهمك بفطيرته وانهال عليها بقضمة من اليسار وأخرى يميناً، أمي أريد واحدة أخرى، وأردف بسؤال: ألا نأخذ لأختي وأبي بعضاً منها؟
نعشق الحياة ونصر على العيش والبقاء، مع أناس يعاندون الأوجاع، وينفخون نار عيشهم من مآقيها ليتقد جمرها، وتشعل جذوة الحياة  برغيف.
مهجرات ونساء مليئات بالوجود، حططن برحالهن وكفاف عيشهن في المطعم البيئي، والذي وجدن فيه ملامح قريتهن وصورهن التي ارتسمت على جدران هذا الزمن، يرفضن أن يكن بعيدات عن الحب والدلعونا، ويغنون  ميجانا الفرح والمطر في قوس قزح وقصيدة،
تنفخ على يديها التي لسعها الجمر ولهيب نار التنور، بعد أن حركت بمحراك التنور (عصا يحرك به الجمر والحطب المشتعل ليزداد وهجه) وتوقد فيه سبل عيشها وحياتها..
صمت ساحر بضجيج جماله
السيدة جهينة خليل، هي مهجرة من قرية العسلية ربيعة، أشارت إلى أنها وزوجها وأولادها كانوا يعيشون  بكل بساطة وفرح بلا تنكيلات وتنكيدات من الدهر:
(كنا ننام كما ينام الدار واليوم نبكي كما يبكي الدار)
يعيشون وسط صمت الطبيعة الساحرة بضجيج جمالها وخيراتها، التي تتباهى عليهم وتقلدهم  رونقها وألقها فلا يستطيعون الخروج منها لأيّ سبب كان أو أمر، وقالت: كنت أعمل في الأرض والبيت ساعة أشاء والخير يعمّ الدار ويتدفق علينا بالهناء وستر الحال والحمد لله، إلى أن باتت قريتنا وسط جبهات نار المسلحين المغضوب عليهم من القوم الكافرين، أجبرنا على ترك بيوتنا وبقي الرجال فيها لبعض الوقت لحمايتها، وكان عليّ أن أحفظ ماء الوجه لعائلتي استأجرت المأوى وبحثت عن عمل يسد رمق عيش ستة أولاد، لأجده في هذا المكان الذي يشابه قريتي، بعمل لطالما أتقنته كنت أعد العجين وأخبز كل يوم، حيث لا وجود للأفران أو الدكاكين لبيع ربطات الخبز، وفي عجقة المطعم وازدياد زحمة زواره أرجع لبيتي (مثل العصفور المدبوح) ليس من وهج الشمس بل لهيب التنور، ولم يبق لي حلم أنشده غير أن أرى أولادي قد تخرجوا من جامعتهم، وعدنا إلى بيوتنا وحقولنا التي اشتقتها، والقلب يخفق ويعجل بضرباته سعياً للقياها.
وتشاركها الحديث رفيقتها أم جميل، فتقول: نحن أولاد ضيعة نعرف كيفية إعداد العجين والحشوات من أمهاتنا والجدات (المحمر، السلق، القريشة، الجبنة، الزعتر، الزيتون..) وجميعها مرغوبة في هذا الزمان، ومطلوبة من زوارنا، حيث ينتظر كل منهم وقتاً لابأس به عند الزحمة ولا يتأفف من ذلك، وهذا دليل إعجابهم بالفطائر التي نعدها، تصمت قليلاً لتسمع ما بخلدها يصرخ، وترجع إلينا بقولها: لم أشتغل يوماً بالفطائر والخبز، لكنها الحاجة وزوجي غير راض أن أعمل.
السيدة سامية صبيرة، تعمل على تلبية طلبات الزوار وتقول: بدأت العمل منذ افتتاح المكان، كنت أبحث عن وظيفة تردّ عنّا الحاجة والسؤال بعد أن هجرنا قريتنا وسكنت وأولادي بالإيجار25 ألف ليرة، صحيح أن الراتب ضعيف لكن والحمد لله يسد رمق عيش الأولاد (بنت وصبي) والعمل جيد بالنسبة لي مريح وجميل، حيث يأتي إليه كل من يصبو للطبيعة والبساطة وهو من أهلها الطيبين، فيكون التعامل معهم بكل ارتياح وطمأنينة، ولا مجال للإزعاج والمضايقات التي تعج بها مطاعم المدينة.
كل محمية يجب أن تتضمن مفرداتها مطعماً
المهندس سومر مريم- مدير محمية الفرنلق والمسؤول عن المطعم البيئي، أكد على أن المطعم بأفضل حال والحمد لله، ومنذ بداية افتتاحه في 16/11/2018 والناس تتردد عليه، وأشار إلى أهمية وجوده التي أتت من فكرة تسويقية وسياحية وتراثية فالمطعم الذي أقيم من الخشب بكل مفرداته وأثاثه وأدواته يعبر عن الريف الساحلي وتراثه وتاريخه، فقال: نحن نعمل في مجال المحميات والتنوع الحيوي، وكل محمية يجب أن تتضمن مفرداتها مطعم داخل المحمية وآخر في المحافظة التابعة لها، حيث يوجد في سورية 30محمية، وتابع: لدينا وحدات تصنيع ومركز تسويق للمنتجات الطبيعية وأخرى نقوم بتصنيعها وتسويقها، وبالنسبة إلى المطعم نقوم بتصنيع الفطائر بأنواعها كافة إضافة إلى الفطور البلدي التقليدي الطبيعي، وأغلب العاملات فيه من النساء الريفيات اللواتي يجاورن الغابة، وفرصة العمل لمساعدتها في الحفاظ على الغابة، الرواتب معقولة والتي تأتي مع حوافز تقيم على أساس العمل وجودة المنتج وساعات العمل التي تبدأ من التاسعة صباحاً وحتى الثالثة ظهراً، فقد تجاوزت وجبات الفطور 60ألف وجبة كمعدل وسطي في اليوم الواحد.
وجبة غذاء بنكهة الريف الساحلي
وأشار إلى أعمال قادمة  تأتي على وجبة غذاء بنكهة الريف الساحلي، مثل: الفروج المشوي بالتنور، المجدرة، برغل بحمص، كبة بسلق.. وتسكب في أواني فخارية، بأسعار مدروسة وعلى الأكيد أرخص من السوق، وأكد الأستاذ سومر، على أن كل فاتورة تعرض على الزائر يرافقها دفتر ملاحظات أو حتى شكوى فكان فيها ورقة استبيان لوضع الخطط التي فيها التصحيح والتجديد، وقد جاء فيه ما يريح القلب ويدفعهم إلى المزيد من الأعمال، حيث تجد أحدهم يطالب بتوافر المكدوس في جميع الأيام والفصول، وأكلات الزيت كالفاصولياء واللوبياء وتمنى الجميع لو يبقى المكان مشغولاً إلى المساء، فناسه والعاملون فيه من الطيبين الطبيعيين ليس فيهم شيء من التصنيع والتغليب، حتى هذا كان في ملاحظات زواره من الروس في عيد رواد الفضاء وكان لهم رجاء في الحفاظ على هذا المكان الريفي التراثي الجميل.
 

الفئة: