سطوة الانترنت وانجراف نحو التكنولوجيا بشكل مرعب

العدد: 
9114
التاريخ: 
الثلاثاء, 22 أيار, 2018
الكاتب: 
مهران سلوم


من الإنترنت الذي يقتحم كل منطقتنا العربية ، ويسيطر على عقول أجيال كاملة ويوجهها، إلى تلفزيون لا يفارق كل بيت ويكمل السيطرة على بقية الأسرة، هنا تكمن المسألة التي لابدَّ أن تقرأ بشكلها الصحيح حتى يتمَّ معالجتها والحدِّ من تأثيرها السّلبيّ وتغيير ما أمكن من صورة قاتمة لكل هذا العالم الافتراضي وتأثيره البعيد على تربيتنا وأخلاقنا وتاريخنا الذي يحتاج إلى كتابة متأنية من جديد .
السؤال الذي يتردد في الأذهان بعد كل هذه الثورة الافتراضية هو: كم ساعة أو كم شهر أو كم سنة يُسرق منك دون أن تشعر؟
الجواب ببساطة وتحت إشراف كبرى المعاهد المتخصصة في هذا المجال هو ما بين 14و 16 عاماً تذهب سدىً من عمرك أمام هذه الاتصالات .
الشبان الصغار هم المستهدفون  
وبالعودة إلى التركيز على من يقتني تلك الأجهزة فإنّ الملاحظ أنَّ الغالبية العظمى هي من فئة الشباب الذين ينجرفون وراء التكنولوجيا غير المضبوطة من حيث النشر حيثُّ تتراوح أعمارهم بين 10 و 35 عاماً تجدهم يقتنون التعامل مع أحدث ما توصل إليه العالم الرقمي من أجل ألعاب الإنترنت ذائعة الصيت والمطارِدة لكل جيل على جهازه .
انجراف يصل إلى حد الإدمان و «الفوبيا» المنتشرة والقاسم المشترك عند كل تجمع شبابي. وهذا يؤدي إلى تمضية أوقات غير محدودة أمام أجهزة التواصل، ولا نبالغ إذا قلنا إذا أراد الشخص أن يتوقف عن متابعة هذا الأمر فستظهر عليه أعراض الإدمان الحقيقي وكأنَّه يعالج من إدمان الكحول أو المخدرات .
انقطاع الإنترنت وتأثيره على المجتمع
في قراءة هادئة لما حدث منذ فترة نستذكر ما حدث عندما انقطع الإنترنت عن غالبية المناطق السورية، إذ وجدنا الحجم الهائل لرسائل الاستهجان والغضب من جراء هذا الانقطاع الذي يعكس حجم المتابعة المرعب لكل ما يحدث عبر هذا التواصل.
وفي الواقع لا توجد إحصائيات دقيقة حول عدد مقتني هذه الأجهزة ، ولكن يقيناً أن هذه التقنيات تؤثر بشكل كامل ومباشر على كل ما يجري في حياة الفرد ، حتى إنَّها أصبحت تتدخل في العلاقات الاجتماعية وتتناسب طرداً أو عكساً مع قوة العلاقة فيما بينهم، وبمثال صغير على ذلك نذكر أنّه عندما يقوم أحدهم بإنزال (بوست) على صفحته الشخصية فإنَّه يراقب كل من يتفاعل معه وقد تحدث ملامة بينه وبين من لا يعلق عليه إن التقى معه ويأخذ منه موقفاً صارماً ويصل الأمر إلى القطيعة في بعض الأحيان .


العلماء والإنترنت
بالعودة إلى الأبحاث العلمية والنفسية التي أٌجريت على عديد ممن وضعوا تحت الاختبار من أجل معرفة الوضع الصحي والنفسي لهم عند استعمالهم الإنترنت ساعات طويلة، ومدى تأثير الجهاز العصبي والنفسي على المتلقي أظهرت الدراسات بأنَّ ضربات القلب تزداد بشكل كبير وتتأثر في حال كان الحدث يشدّ الانتباه كما يرتفع ضغط الدم عند سماع أي خبر يتلقاه الدماغ أما عند الشبان الصغار فقد وجد أنَّه أثرَ على تركيزهم واحتكاكهم مع الوسط الذي يكونون فيه وبعد وضع جهاز مراقبة على المتطوعين وصلوا إلى نتيجة أنّ أكثر من 90% منهم يفقدون التواصل التام مع أي مؤثر خارجي في حال بدؤوا بمزاولة أيّة لعبة .
هنا قد انقسم العلماء إلى قسمين قسم يرى أن الإنترنت وباءً حلَّ على المجتمع وينصحون مرضاهم بالتقليل قدر الإمكان منه والعودة إلى وسائل التواصل العادية كقراءة الصحف والمطالعة واستقصاء الأخبار بأوقات قصيرة أما الشبان الصغار فنُصحوا من خلال التّوجّه إلى أسرهم، بضبط تلك الوسائل كي لا يخترقها أولادهم، وخصوصاً أنَّ هذه الوسائل تقضي على المتلقي وتجعل منه إنساناً انعزالياً بعيداً عن واقعه .
أما القسم الثاني من العلماء فيرى هذه النتائج مبالغاً فيها، كما يرى أنَّ شبكات التواصل الاجتماعي بمثابة دواء لمرضاهم لذلك كلّه لم يلتفتوا إلى النتائج السلبية بقدر ما شددوا على توجيهها، فالمعلومة لا بدَّ من أن تصل إلى المتلقي بسرعة، وقد وضعوا تجارب في حال انقطاع الإنترنت عمّا يمكن أن يحصل للمتلقين فوجدوا أنَّهم يسعون لمعرفة الأخبار حبّاً، ولا علاقة للإدمان بفعلهم .
حوادث غريبة عن مجتمعنا وكيفية معالجتها
في حادثة تلخّص الكثير حول تأثير وسائل التواصل وعدم ضبطها في مجتمعاتنا العربية فقد انتحر طفل من دمشق يبلغ من العمر أربعة عشر ربيعاً من وراء أوامر قام بتنفيذها عبر لعبة الموت، ولم يتمّ اكتشاف انتحاره من قبل أهله إلا بعد أربع ساعات من دخوله الغرفة وإغلاق الباب عليه، والحجة عندهم كانت التربية الحديثة، ولن نذهب بعيداً في التوصيف يكفي أن نقول: إنّها تربية الإنترنت الخاصة .
وهنا يجب علينا إعادة دارسة كل البرامج التي نتلقاها رغم صعوبة ضبطها في هذا الانفتاح الهائل إلا أنّنا نستطيع توجيهها والتنسيق بين العائلة والمدرسة حتى يُضبط أكبر قدر ممكن من تلك الأمور وتوظيفها بالشكل الأمثل، ولا ننكر أنَّ الماكينة الإنتاجية الضخمة التي توجه ويستفاد منها في تلك البرامج تحدّ من قدرة كثير من الدول على مواجهتها أو التقليل من أخطارها، ولو كان الأمر متعلّقاً مثلاً ببرامج الأطفال التي تذاع فإنَّك أمام عنف منظم من النوع غير القاتل لكنه عنف في حقيقة الأمر وهذا يكفي لتوصيف وتوجيه فكر الأطفال .
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هل الإنترنت بكل ما يتضمّن تحت مسمياته من شبكات يفصل الشخص عن واقعه؟
الجواب: الدراسة التي أجريت في عديد من المراكز حول العالم والتي تقول إن سيطرة الإنترنت تصل إلى 90% على صغار السن وهم الأكثر تأثراً من كل عناصر التواصل الحقيقي المباشر سواء من العائلة أو المدرسة .
رأي
من الممكن القول يجب علينا مراقبة أنفسنا وعائلاتنا وأطفالنا مراقبة صارمة كي لا نصبح عبيداً لتلك الوسائل، وأن نتجه نحو بيئتنا ونعيش بشكل صحيح ونعمل جاهدين على إحياء ما أمكن من تواصل طبيعي بالزيارات العائلية والتوجه إلى المراكز الثقافية ووضع الصغار في ملتقيات تنمي شعورهم وتوجه إبداعاتهم وتبعدهم قدر الإمكان عن مضيعة الوقت، ومتابعتهم الدائمة من قبل الأهل كي يكون لهم مستقبل واضح، فنجّنبهم بذلك كلّه الوقوع في مصيدة الإنترنت القاتل .