هل تأخذ السياحة الداخلية بـُعداً وطنياً لاستعادة نبض الحياة؟ اللاذقية كنز ســـياحي .. البحــر والــجبل جيران

العدد: 
9112
التاريخ: 
الأحد, 20 أيار, 2018
الكاتب: 
وداد إبراهيم

دريباتي: الطبيعــة مصحــة نفســية هــرباً من كتل الإســـمنت والــضغوط
في الحروب، ومن تداعياتها، وما تشكّله من ضغوط على الإنسان، يصبح الحديث عن السياحة أكثر ضرورة من ظروف السلم، وليس ترفاً أو اهتماماً سخيفاً،
لأن الإنسان  هو رأس مال أي عمل أو تخطيط لبناء دولة، بالحرب تشرّب كل أشكال الألم مع الحصار والقتل والدمار ليخرج مهدّداً بتوازنه النفسي، ولا مكان ليجدد روحه وجسده أفضل من الطبيعة عبر سياحة داخلية، ليستعيد الطاقة الإيجابية للاستمرار ومقاومة الضغوط.
رصدنا المشهد السياحي في محيط إحدى بحيرات سد 16 تشرين، وأجرينا لقاءات على بساط أخضر مكلل بالأشجار، وأمامه بحيرة السد، رأيت الأستاذ عادل نعيسة جالساً على كرسيه ينفث دخان سيجارته، متأملاً هذه الطبيعة الساحرة، فيما اليد الأخرى تقبض على عصا يتوكأ عليها للتنقل بعد تعرضه لكسر برجله منذ شهور، اقتربت منه للقاء والحديث عن السياحة رغم توقعاتي بأن تكون الإجابة: هذا ليس ميداني مع اعتذار، لكن أمام إلحاحي بدأ بالإجابة على أول سؤال بتعريف السياحة، قائلاً: لغة هي الانتقال والتحرك في المكان، والبحث عمّا يجدد حالتك النفسية والجسدية، وبالنسبة لي قد أكون بحالة استثنائية بعد المكوث لشهور في السرير، خرجت إلى الطبيعة لاختبار حالتي النفسية، وليس الجسدية، 

نعيسة: حرّروا الــبحر.. أطلقـــوه.. فالبحر لا يـُطيق الأسوار ولا السياجات​
وأضاف: السياحة عملياً تعني البحث عمّا يفتقده الإنسان في حياته العادية اليومية المتمثلة بالعمل والروتين، والعيش بين الجدران في كتل إسمنتية وضجيج المدينة.

يبحث عن شيء آخر بديل يسمونه استراحة المحارب نفسياً وعصبياً، مؤكداً أن أيّ زهرة على فرعها أجمل بكثير من زهرة في أصيص، وأيّ (دغل) متوحش أو مستوحش بالطبيعة التي أبدعته كيفياً أجمل من أيّ حديقة مشذبه في قصر، هذه فيها صنعة، بينما ذاك يحمل عفوية الطبيعة، بالطبيعة هناك لا شيء يصدك عن رؤية الأشياء كما هي في البدايات. ويضيف: الدغل اليوم هو الدغل نفسه قبل ملايين السنين . .. إذاً العودة إلى الأصول والجذور، وعندما تفتحين عينيك على نهر أو سد أو بحر، وعلى طبيعة لا جدران تحجز المدى المفتوح بلونيه الأخضر والأزرق، هذه الحالة من الحرية والآفاق المفتوحة عرفها أجدادنا، وأدركوا تأثيرها على النفس البشرية فغنّوا هذا شعراً:
و طول مقام المرء في الحي مُخلِقٌ        لديباجتيه، فاغترب، تتجدّدِ
ألم ترَ أن الشمس زِيدتْ محبةً           إلى الناس أن ليست عليهم بسرمدِ
وفي بيت آخر
تغيّبت كي لا تجتويني دياركم                ولو لم تغب شمس النهار لملّتِ
(تجتويني: تكرهني وتملّني)
ويتابع: هذا يؤكد أن النفس البشرية بحاجة إلى التجديد والترويح بالظروف الطبيعية، فكيف في ظروف الحرب غير الطبيعية والاستثنائية، في الحروب كثير من الشعوب تضحي بجانب من حريتها ومعاشها اليومي لأنها هَمٌّ ومسؤولية على الجميع، القلاع تُثغر وتُحصّن من الداخل، وأحد أشكال التحصين السياحة. 


هناك مؤامرة؟ إذاً ماذا فعلنا لتحصين القلعة؟
ربما كان من أخطائنا الكبيرة أننا حصرنا المياه فاستنقعت، فغزتها الطحالب والديدان، فلنفتح المياه المحجوزة، ربما أضرّت في البداية ما حولها، لكن ليس من نهرٍ يصل إلى مصبّه إلّا هادئاً وصافياً.
بمعنى آخر السياحة ليست مجرد متعة هي صناعة أولاً، وكل الدول الراقية توجهت لإطلاق معسكرات للأطفال، وللكبار لتعلّم التآلف والتعامل مع الطبيعة.
وردّاً على سؤال: هل توجد مقومات السياحة ببلدنا، وكيف نفعّلها لتكون بمتناول شرائح المجتمع كافة؟
أشار بداية إلى أمر مُتعارف عليه في دمشق وهو (السيران) كل يوم جمعة، وأوضح: هنا على الدولة أن تتدخل عبر وزارة السياحة لتطبيق برامجها التي يُفترض أنها قدمت برامجها وإمكانية تنفيذها، ولكن نلاحظ أنها تحولت إلى صناعة لمصلحة طبقة معينة واستثمارات، علماً أننا بحاجة إلى توفير سياحة شعبية، والاعتناء بالحدائق العامة مع توفر خدمات معينة بالحد الأدنى.
دع الناس تأخذ هواء نظيفاً وعلاقات نظيفة، هذا يساعدها على الخروج من الحصار الذي عايشته في ظل ضغوط باهظة يجب تشجيع السياحة الآن بالمعنى الانفتاحي الترويحي، والخروج من الحصار لتخفيف الضغط عن الناس التي سحقتها الحرب باللقمة، وآلام الدمار والضحايا، ولتأخذ السياحة بُعداً وطنياً. وفيما يخصّ وجود مقومات للسياحة بمحافظة اللاذقية، سألت الأستاذ نعيسة: ما هو التوجه برأيك لاستثمارها؟
أجاب: تقول اللاذقية عن نفسها ما ليست بحاجة إلى أيّ إعلامي ليقوله عنها، لجمالها وانتشار المواقع السياحية، المطلوب فقط أن توظف هذه الهبة السياحية الربانية، المطلوب فقط إحسان استخدامها لمصلحة عباد الله .
لنوفر البيت الكبير الذي هو الطبيعة يتحصن الإنسان منسجماً مع ذاته دون عُقد، هذا ما تفعله السياحة في النفس والجسم، هي ترويح، رياضة، تعارف، متعة جمالية، تنمية الذائقة البشرية فنياً، ومن الممكن للطبيعة أن تخلق موهبة ما برصد الأشياء، وبمرحلة معينة ربما لنقل هذه الأشياء، تخلق فنانين.
رأسمال السياحة ( الإنسان)
توقفت عند تساؤل: هل نترك الطبيعة بشكلها العفوي على واقعها دون خدمات، ونقول صناعة السياحة؟ 
قال: لا، بحاجة إلى خدمات يجب تقديمها ما دمنا سميناها صناعة، هذا يعني أن لها مردوداً وإنتاجاً معيناً، زيادة على أيّ صناعة أخرى.
ينتج عنها صياغة جديدة للإنسان من خلال تجديد روحه وحيويته، ورأسمال كل نظام بالعالم هو الإنسان -الفرد.
عندما تعطيه كل هذه الطاقات الإيجابية سينعكس على حياته وعمله بعد التجدّد بعطلة نهاية الأسبوع يعود إلى العمل بهمّة أكبر، ونشاط وحيوية تنعكس على إنتاجيته بأيّ قطاع أو فعالية يعمل بها الأمر، ليس مزاجاً فقط.
بمعادلة بسيطة، العودة إلى الطبيعة وتأمين الخدمات الضرورية بذلك يتم خدمة الإنتاج في مجالات عدّة علماً بأن نشر ثقافة العلاقة مع الطبيعة والتفاعل معها يبدأ في مناهج المدارس للأطفال. 
الحيتان.. اعتقلت  البحر
لا حديث عن السياحة في محافظة بحرية دون التوقف عند البحر . . . تعود الذاكرة بالأستاذ نعيسة إلى أيام كان البحر لعباد الله مع وجود مسابح عدّة، فيما شواطئ البحر مفتوحة للجميع.
أكد أن اللاذقية كنز سياحي يتجاور فيه البحر والريف والجبل، هذه النعمة الطبيعية التي هي البحر عزلها الحيتان، اغتالوا البحر، اعتقلوه، زنّروه بالمواقع والاستثمارات الخاصة، وأطبقوا عليه بأقفال ضخمة.
أطلق العنان لصوت خرج من داخله يحمل التضرّع مفتوحاً لكل من بيده القرار قائلاً: أطلقوا سراحه، حرّروه ليعود مراحاً لعباد الله الذين كانوا ينعمون برمله وأمواجه مجاناً، صار مقفلاً، لم يعد أهالي اللاذقية يجدون فيه الصديق المفتوح الصدر والذراعين، كانوا يجدون شاليهاتهم في صخرة أو شجيرة على الشاطئ، ويخلعون ثيابهم ويقفزون إلى الشمس والزرقة، ثم يغرقون في هذا المدى الواسع الأزرق المضياف، وفي مياهه يغتسلون جسداً ونفساً وعصباً، لا يطفئون منه مرارة أيامهم القاسية، حرّروا البحر، أطلقوه، فالبحر لا يُطيق الأسوار ولا السياجات.


بين شير الخراب والطارقية وخربة سولاس
مع نهاية العام الدراسي للمعهد التعليمي المجاني لأبناء الشهداء والجرحى والمتضررين من الحرب، اختارت جمعية إيثار الخيرية تكريم الكادر التدريسي التطوعي بتنظيم رحلة ترفيهية إلى موقع سياحي طبيعي، التقينا منسق الرحلة المهندس نزيه طوالو، وهو من الشباب المهتمين بالمشاركة بأي مسارات استكشافية لجبال اللاذقية، لذلك طلبنا منه بداية تحديد الموقع، قال: الموقع بين شير الخراب والطارقية وخربة سولاس، تتوسطه إحدى بحيرات سد 16 تشرين، والموقع الذي اخترناه في شير الخراب يمكن الوصول إليه من الطارقية بالقارب لنستمتع برحلة مائية للوصول إلى الضفة المقابلة للبحيرة، يتميز الموقع بوجود الغابات في طبيعة ساحرة تجمع الجبل و البحيرة.
هي رحلة ترفيهية للكادر التدريسي تكريماً لجهودهم المستمرة منذ خمس سنوات بشكل تطوعي، لافتاً إلى أن الروح تحتاج إلى الخروج من الضغوط  والروتين اليومي الممل إلى الطبيعة لتتجدد، وانتقد التقصير الإعلامي تجاه المواقع السياحية في المحافظة، مشيراً إلى أن السياحة الشعبية بكلفتها المادية معقولة، تكلفة الغداء ولوازم الرحلة لمجموعة تضم /25/ شخصاً نحو (35000) ل.س لقضاء نهار ممتع في طبيعة ساحرة . . 
المدرّسة عايدة دريباتي مدرسة فيزياء وكيمياء، عبّرت عن سعادتها باختيار الجمعية لأسلوب التكريم، حيث حمل طابعاً مختلفاً للتكريم التقليدي بتنظيم رحلة ترفيهية بعد تعب وجهد عام كامل من التدريس.
وقالت: كنّا ندرّس الطلاب بالمعهد لأن أولاد سورية، هم أولادنا نعمل دون انتظار مكافأة لأنه واجب علينا، وأضافت: الإنسان في جو الحرب وأمام ضغوط الحرب والقتل والدمار بحاجة إلى الاسترخاء قليلاً بهكذا مكان لاستعادة القوة وتفريغ الطاقة السلبية، ولا مكان أفضل من الطبيعة لذلك، إضافة إلى التواصل الاجتماعي مع المجموعة.
خيار الجمعية لهذا الموقع ممتاز وأفضل من أيّ مطعم بأيّ موقع، بيئة طبيعة بكر، وما يميزها تشّكل البحيرة بين الجبال طبيعياً، فالطبيعة مصح نفسي، بعد خروج الإنسان إليها من كتل الإسمنت والضغوط يعود مفعماً بالطاقة الإيجابية معافى نفسياً وجسدياً، بوجود اللون الأخضر للشجر والبني للتراب، والأزرق للماء، إضافة إلى المدى المفتوح الذي يفتح باب التأمل.
الجامعة العربية – الدولية ورحلة إلى اللاذقية
وجود مجموعة من طلاب الجامعة العربية – الدولية الخاصة بدمشق بالموقع دليل على استعادة نبض الحياة والأمان رويداً رويداً.

 

 

المصري: مـــواقع ســــاحرة  في بلــدنا وكثير منـّـا لا يعرفهــــا
قال رئيس فرع الاتحاد الوطني لطلبة سورية بالجامعة عمار المصري: نحن بالفرع توجهنا لتعريف الطلاب بمناطق بلدنا، بتنوعها بين جبال وغابات وبحر، وفي هذه الرحلة وصلنا وتفاجأ كثير من الطلاب بجمال الموقع الذي لا يعرفونه مع استغراب أن تكون هكذا مواقع ساحرة في بلدنا وكثير منّا لا يعرفها، وتضاهي بجمالها ما هو موجود بالخارج لكنها تحتاج لخدمات أفضل، ولو كانت هذه المناطق في الخارج لوجدنا منتجعات سياحية، وتخديماً طرقياً، وخدمات، لكن رغم هذا الواقع هناك إصرار لاستكشاف بلدنا، نزور لنكتشف، ونحن فئة شبابية نظمنا هذه الفعالية بالتخييم إلى ثلاثة أيام بجزيرة الغزلان، وكل فترة نستهدف مناطق ببلدنا، زرنا جبل المولى الحسن في طرطوس، وخيّمنا بأعلى قمة بالجبال العام الماضي.
وأكد أن السياحة الداخلية مهمة جداً، لافتاً إلى أنه لا وجود للسياحة في هذه المنطقة، ونقل استغراب الشباب من وجود مطعم صغير وقاربين فقط بعد اكتشاف الموقع الرائع وجولة بالقارب مع غياب الخدمات، وانتقد عدم تسليط الضوء عليها إعلامياً، علماً أن طلاب الجامعة  من محافظات متعددة استمتعوا بالهواء العليل، وبالجمال الطبيعي، وسبحوا بالبحيرة تحت المطر، بعيداً عن مظاهر الحضارة الملوثة من معامل ومصانع في بيئة طبيعية نقية ساحرة، كانت أيام للعيش مع الطبيعة.

 

الفئة: