جدل فكريّ

العدد: 
9109
التاريخ: 
الثلاثاء, 15 أيار, 2018
الكاتب: 
باسم إبراهيم شرمك

 كنت مستلقياً على شاطئ أحلامي وإذ بموجة باردة مالحة توقظني فنهضت ونظرت من حولي فلم أر إلاّ  آثاراً لأقدام رُسمت على الرمال، تتبعتها فشاهدت مواكب الأمم  والشعوب التي سارت منذ أن هبطنا من عالم النور إلى عالم الطين حاولت أن أملأ سفينة أفكاري بحقائق ومعارف سليمة لأحملها عبر أسفاري إلى الموانئ فأفرغها في مستودعاتها المقفلة، وهناك بدت الصورة جلية لأنّ الكون كان يستعد لوداع يوم آخر وقبل الغروب أزحت ستاراً فوجدت خلفه إنساناً ينتقل بالعيش من المغاور والكهوف المظلمة - حتى قبل أن يكتشف النار- إلى البروج والصروح. وكان إنسان المغاور الذي اعتمد على الصيد والالتقاط يستخدم أدواته الحجرية البسيطة ليطبق ما لديه من إرث فكريّ.
وجدنا الإنسان الهابط من السماء يصنع المعجزات في بابل وفي الاسكندرية وفي الصين وراقب النجوم والكواكب فبنى الأهرامات بدقة هندسية فائقة وبرع في كافة العلوم والمنطق والفلسفة وحنّط موتاه وصنع سفينة صمدت أمام الطوفان وحملت معها بقية الجنس البشري الذي آمن وصدّق. وتخلف عن السفينة الأبناء الذين توارثوا الشرّ والحسد من قابيل عندما ارتكب جريمته البكر ثم أخذ أبناء الجريمة في كل عصر يتفننون في وحشيتهم فحاربوا المخلصين وصلبوا الرسل وآذوا الأنبياء وأخرجوهم من ديارهم، وما بين معراج الإنسان وارتقائه إلى العالم الذي هبط منه وما بين هبوطه إلى الدرك الأسفل مشاهد تدعو إلى التأمل والتفكير والبحث والتنقيب.
 هو نفسه الإنسان الذي رسم الحرف الأول وكتب أبجدية السلام (اترك سيفك واحمل معولك واتبعني لنزرع كبد الأرض بالخير والسلام)، وهو الذي كتب في مكان آخر(العين بالعين والسنّ بالسنّ).
 ونقش على باب كهفه ومعبده (اعرف نفسك) وكتب (لا تحقّر إلهاً لا تعرفه) إلى أن ختم وكتب (الإنسان إما أن يكون لك نظيراً في الخلق أو أخاً لك في الإنسانية)، وتمضي السنون وتحتاج البشرية إلى معجزات أخرى فتلك العصا التي ابتلعت أفاعي السحرة وغيرها من المعجزات تصل اليوم إلى إعجاز صنعه العقل البشري من خلال ما وصل إليه من تقنيات وثورة اتصالات لكن للأسف ما زلنا نشهد أبشع الصور للوحشية والإجرام ووصلت حدودها إلى مرحلة اللامعقول وما حدث في جسر الشغور وخان العسل وتدمر وعدرا العمالية وقرى اللاذقية الشمالية وفي كل بقعة من بقاع  وطني التي فتح الإرهاب فيها بابه على مصراعيه وأغلق لغة العقل والتفكير لدليل واضح على أنّ الشيطان وأعوانه ما يزالون يقفون في وجه الإنسان الذي يسعى إلى عالم الارتقاء والأتقياء.
 وهناك أسئلة هل كان الرحم الذي حمل هابيل هو نفسه الذي حمل قاتله؟ وهل أخطأ النبي يعقوب عندما ترك سيدنا يوسف مع أخوته؟ هي التجربة والاختبار مرة أخرى لكن هذه المرة للارتقاء وليس للهبوط ويبقى السؤال الأهم: ما هي الطرق التي يمكن أن تعيدنا إلى عالم النور والملكوت حيث هبطنا؟!

 

الفئة: