رادار

العدد: 
9108
التاريخ: 
الاثنين, 14 أيار, 2018

تماماً مثل الأمطار التي هطلت قبل أيام، وأتت أضرارها على الكثير من الزراعات الحقلية والأشجار المثمرة (ومنها الحمضيات والزيتون)، يكون التكريم بعيداً عن سياقه الزمني أو بعد أن يموت المكرّم!
التكريم ثقافة، الكلّ يعي قيمتها، وقليلون هم الذين يسعون لتجسيدها على أرض الواقع، وإن حضرت فإنها غالباً ما تحضر لتبرز قيمة المكرِّم (من يقوم بالتكريم) لا قيمة عمل المكرَّم، فيُسرَق جزء من هذا التكريم لصالح البروظة..
حتى نحن – وأعني العاملين في وسائل الإعلام- نركّز حين ننقل خبراً عن التكريم على من يقوم بالتكريم فنقول: (كرّم المدير الفلاني، ونذكر اسمه الثلاثي، عدداً من العاملين في..) لنجد أنفسنا جزءاً من رؤية قاصرة لهذا الموضوع!
في أي عملية إنتاجية هناك ثلاثة عوامل أساسية: البنية التحتية، الإدارة والسياسة الإنتاجية، والمنتج..
عندما نستقدم أي آلة جديدة، أو نطوّر أي خطّ إنتاج، أو نستبدل محولة كهربائية أو نستقدم سيارة جديدة، نبرز هذه التفاصيل، وربما نكرر الحديث عنها شارحين دورها وأهميتها ومبرزين قيمتها المادية والإنتاجية..
وعندما يأتي أي مدير جديد أو يصدر أي قرار جديد يخصّ العمل نطبّل له، ونشرحه، ونجمّع الآراء التي تدعم هذا التوجّه على شكل تقارير إخبارية..
وعلى أهمية البندين السابقين، إلا أننا نضيع ونحن نحصر أنفسنا بتفاصيلهما، وتنحرف بوصلتنا عن العامل الأساسي في أي حراك أو في أي عملية تنموية، ونقصد اليد العاملة صاحبة الفضل الأول والأخير بأي إنتاج، وكما أسلفنا – وكما هو دور الممثل القدير محمد خير الجراح في مسلسل الخربة – لا نرى باليد المنتجة إلا مصفّقةً للآلة أو للمدير، بينما هي في حقيقة الأمر كلّ شيء..
مرّ قبل أيام قليلة عيد العمّال، فغرقت وسائل الإعلام بصور المديرين وآلات الإنتاج وفي آخر الخبر يُكتب: وعلى هامش الاحتفالية تمّ تكريم عدد من العمال، بينما في مقدمته، وعلى عدة أسطر نذكر أسماء الحضور ممن تسبق أسماءهم كلمة: السيد، الرفيق، الدكتور،.. إلخ!
فقط ما نريد التركيز عليه هو أن نعطي الأشياء حقّها، وأن تسمّى المسميات بأسمائها الحقيقية، فهذا تكريم من نوع خاص، وأن نقدّر الأشياء الجميلة لحظة حدوثها لا أن نؤجلها للمناسبات أو لنهاية الخدمة وكأننا نستذكر مناقب فقيد!
في قرانا، وبعد مرور أسبوع على وفاة عزيز علينا نولم عن روحه، ونوزع اللحم على الجيران والمعارف، وربما، وأقول ربما، هذا العزيز الذي فارقنا قبل أسبوع لم يذق اللحم منذ بضعة سنوات.. نجلس في مجلس عزائه ونستذكر خصاله الحميدة وننسى أن آخر زيارة اطمئنان عليه كانت قبل عدة سنوات!
في الحياة العملية، وفي مواقع الإنتاج، لماذا لا تسمح القوانين بتكريم ومكافأة أي مميز باللحظة التي يقدّم فيها ما هو متميّز، وهل تحتاج المسألة إلى مجلس عزاء لكن مع التصفيق هنا؟
يؤسفنا القول، إنه ومع الانطلاقة بعملية إعادة إعمار سورية، وتخصيص مبالغ هائلة لهذه العملية، والبدء فعلاً بها، إلا أنّ كل ذلك يُبنى على أساس ضعيف وهشّ، وعلى أرضية قانونية غير واضحة، أو قابلة للتأويل وتترك مساحات كبيرة للتحايل أو للالتفاف عليها، ويندر أن ننشر أي تقرير عن مشروع تنموي أو إنشائي إلا ويكون التوازن السعري له عشرة أضعاف القيمة التعاقدية!
نعم هي مشاريع دُرست قبل الحرب على سورية، ونعم اختلف سعر صرف الليرة السورية كثيراً، وصحيح أنّ على الجهات المالكة أن تعوّض للجهات المنفذة من أجل الاستمرار، ولكن هل فرضت هذه التناقضات أي تعديلات قانونية حتى لا نقع بذات المطبّ؟
كنّا نأمل أن يتمّ إنجاز مثل هذه التعديلات القانونية على الأقل من أجل أن تحكم المشاريع الجديدة، لا أن نتركها كسابقتها عرضة للصدفة وللطوارئ، ونعود بعد عدة سنوات من تأخير تنفيذها للحديث عن توازن سعري أيضاً.
المطر يضرّ إن لم يكن بوقته..
والتكريم مسرحية إن بقي على شكله الحالي..
والقوانين معطّلة لأي عملية تنمية ما لم تعبّر عن روح هذه التنمية..
Ghanem68m@gmail.com

 

الفئة: