أكثر الملفات البيئية سخونة ...مكب «البصة» ينوء بنفاياته .. و«قاسية» عاثر الحظ ..تعطل الآليات عن الدفش والرص يوماً واحداً كفيل بإغلاق المكب...المزروعات تتغذى على عصارة النفايات

العدد: 
9107
التاريخ: 
الأحد, 13 أيار, 2018
الكاتب: 
تحقيق: خديجة معلا ت: حليم قاسم

حملت «تلك الوصية» من غيور على المحافظة، كانت نصيحة وقفت حداً فاصلاً بين قلمي والورق، محدثي يخشى إن بالغنا في تهويل خطر المكب أن يرتد الفعل قراراً عكسياً يسرّع الانتقال إلى مكب قاسية قبل أن يتم الانتهاء من تجهيز خلايا هذا الأخير بشكل كامل، عندها سننقل المشكلة من مكان إلى آخر دون أن نحلها.
كأنما الربيع استعار يوماً صيفياً من آب اللّهاب الأسبوع قبل الفائت عندما تجاوزت الحرارة الثلاثين درجة مئوية في المدينة ووصلت حدود الأربعين في مكب البصّة بفعل الحرائق «تلقائية أم مفتعلة»، ما حذرناه وقعنا فيه وكنا بين كّفي كمّاشة إما الروائح أو الدّخان.
نحن من أكل المقلب، عندما أخذت السَّيارة تشق عباب الطريق، كانت صور الجمال تتبارى أمام ناظرينا في إبراز روعتها، غابات من الكينا والصنوبر وبيارات البرتقال وعشرات الدونمات من الأراضي الزراعية المكسوة بغطاء من الخضار: كوسا وخس وخيار و.. جميعها تخلّت عنّا، حتى الطريق الزفتي سلّم نفسه لآخر محفر، تفردنا به نحن والسيارات الضاغطة وجرارات القمامة التي حمل بعضها قمامة بلديات بعيدة أو لحم مكشوف من مسالخ المحافظة، تسيل عصارته على الحفر المحفّرة أصلاً، فتزيدها عمقاً قبل 500 م من المكب، وعبثاً استطعنا تلمس حرف على ورق أو التقاط صورة دون التوقف نهائياً من شدة الاهتزاز.

فاطمة تريد الفيسبوك
 وكان لتوقفنا سبب إضافي، نساء تحت الأشجار يفرزن أطناناً من القمامة الخردة، إحداهنّ قطعت الساقية المائية الجانبية واتجهت نحونا مستطلعة، وقبل أن تسبقنا بادرناها بالسؤال عن عملها مع بقية النسوة قالت: إنهن يعملن لحساب قريب لهن يتعهد بجلب هذه النفايات، ليقمن بفرزها مقابل إجرة (500) ل. س باليوم، وسط استهجاننا أكدن اليومية، لم نصدقهن فالرقم قليل وامرأة مثل فاطمة تسألنا إن كنا سننشر الصورة التي التقطناها لها على الفيسبوك وينبهني زميلي إلى أن محمولها أغلى مما نحمل نحن الاثنين، لا يمكن أن تقبل بأقل من 2000-3000 ل. س في اليوم.
 مدخل أنيق ومكب البصّة يرحب بكم
 نحن على بعد أميال عن المكب، الأرض السهلية بدأت تأخذ شكل تلّة، جبل من قمامة له مدخل نظامي بدا انيقاً! ولم ينقص إلا كتابة عبارة: مكب البصّة يرحب بكم.
طريق المكب أخذ شكل منحن كتفاه: تلتان على ارتفاع عشرة أمتار مرصوفة من قمامة عمرها ربما أكثر من 22 عاماً، فالمكب سمح الطمر فيه بـ 1979كمكب مؤقت واستمر (دائماً) دون أن يرفع عنه لقب مؤقت
على كتف الطريق الأيسر أغنام وماعز تتغذى على فتات المدينة دائماً تجد تلك المواشي ما تأكله من فضلات عضوية متحللة وأكياس نايلون تعتاش عليها، وليحمد النباشون ربهم أنها لا تقاسمهم الفوارغ البلاستيكية والنحاسية و . . .


  صطيف يتحدث إلى «الوحدة»
على مقربة من المدخل كانت تقع منطقة الرمي الأساسية أو ما يعرف بالمدور ومساحتها 3 دونمات وهناك منطقة احتياطية للرمي بالمساحة نفسها لم ندخل إليها، أبو زيد الهلالي لم يكن خالنا حتى نصمد كثيراً في منطقة الرمي الأساسية، فما حسدنا أنفسنا عليه من انعدام الروائح في المكب نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وقعنا بأسوأ منه من دخان حرائق ضبابي كاد أن يخنقنا ويحجب الرؤية على بعد أمتار.
 تحلّق حولنا النباشون وكانت سياراتهم تحمل الخردة بينما أخذ تركسان يرصفان القمامة المفرغة من إحدى الضاغطات، ومن البعيد بدأ خيال صطيف ابن الرابعة عشرة يتجه صوبنا راكضاً، ضحوكاً وكأنه يقفز فوق المرج أخضر، نسماته عليلة بدل دخان الحرائق الذي أطبق على صدري وبشق النفس دردرشت معه فقال بلهجته البدوية: إنه صطيف، صطيف نبّاش عمره 14 عاماً يجمع الكرتون والبلاستيك والخردة والحديد ويبيعهم، في المدينة لكنه لم يفصح عن سعر الكيلو فهذا من أسرار مهنته.
متعهدون ثانويون لدى الإنشاءات
 تركناه وإذا بالذي يعمل على التركسين من القطاع الخاص هو متعهد ثانوي لدى الإنشاءات، التي لم نلحظ لها وجوداً في الموقع إنه مصطفى كلية سائق أحد التركسين والعامل في المكب منذ عشرات السنين قال: إنه يقوم بالدفش والرص للقمامة من باب التستيف والترتيب كي لا يغلق  المكب نتيجة الرمي العشوائي..
يستقبل 1200طن من النفايات يومياً
 هذه أفضل الحلول التي كان المهندس علي قاسم رئيس دائرة النفايات الصلبة في الخدمات الفنية باللاذقية قد حدثنا عنها، فالمدور الذي نقف فوقه يوجد تحته خلايا سماكة طبقة القمامة بكل واحد نصف مترو فوقها 20 سم بقايا، والمكب أنهي استيعابه وفق الدراسة المقدمة من جايكا في 2009 وودع آخر خلاياه منذ 22 عاماً، لكن بسبب عدم وجود بديل  نستمر بتشغيله عمودياً عبر عقد مع الإنشاءات العسكرية التي تقوم بتأهيله يومياً كي يصار إلى استيعاب القمامة الداخلة إليه من مجلس مدينة اللاذقية ومجالس مدن وبلدات وبلديات المحافظة والمقدرة كمياتها بموجب إحصائية لعام 2017 بحوالي 1200 طن يومياً من النفايات الصلبة، بكل حال من الأحوال لا يمكن اعتباره مطمراً صحيّاً لأن المطمر الصحي له مواصفات خاصة مثل فرز النفايات والتدوير ومعمل سماد وهذا يقودنا تلقائياً للحديث عن مطمر قاسية الذي هو قيد التأهيل ويشكل محطتنا بعد القادمة.
 معمل سماد من الماضي البعيد
 لكن قبلها، وقبل أن نغادر البصة لا يمكن أن نتجاهل إرث مجلس مدينة اللاذقية «العتيد» معمل السماد الذي صار من الماضي البعيد!
مدير معمل القمامة م. محسن شريبة لم يكن  لديه الكثير ليقوله سوى أنه مرتبط بالبقاء في نقطة المراقبة لتحقيق الرسوم على سيارات الكمخة التي ترمى حمولتها في المكب، أما معمل السماد الذي هو مدير له وللقمامة في المكب فلم يعد له وجود توقف المعمل وبقيت القمامة، آلاته واقفة تنتظر أن يأكل  الصدى مفاصلها حتى تسقط، إلاّ أن ثمة استثمار صغير لمجلس مدينة اللاذقية في جزء من هنكار المعمل، منذ 4 سنوات عبر فرّامة ورقة ألمانية لا تأتي أكلها، فرّامة أفضل من لا شيء، قد تدعمها مؤسسات القطاع العام بين الفترة والأخرى دون أن تسجل التزاماً دائماً بذلك . . ومه هذا استطاعت أن تحقق دخلاً قد يقدر بمليون ل.س.
  انتهى عصر محارق المشافي
 وفي الجانب الآخر من المعمل أقيمت محطة معالجة النفايات الطبية وهي المحطة الأكثر نفعية في الساحل السوري فمنذ استثمارها عام 2015 انتهى عصر المحارق في المشافي ولاسيما المشفى الوطني في اللاذقية ذات السجل الأسود.
فريق عمل من محافظة اللاذقية مكون من مدير النفايات الطبية في محافظة اللاذقية م. جودت مرعشلي، رئيس دائرة مراقبة النفايات الطبية م.سماح عباس، والسيدان جهاد الراهب وهيّاف زيدان من الكادر الفني في المحطة.
أكد فريق العمل أن النفايات الطبية تجمع وترحل بسيارات طبية مغلقة ومبردة إلى المحطة التي تعمل بطاقة 4 أطنان يومياً وقد استقبلت خلال آذار على سبيل المثال 36 طناً من النفايات الطبية، وفيها تجرى عمليات تعقيم بجهاز تعقيم البخار ضغط 3 بار وحرارة 140درجة مئوية، وكل ذلك بهدف قتل الجراثيم وتحويلها إلى نفايات عادية تنقل بعدها إلى مكب البصة.
 العاملون في محطة المعالجة الطبية يخسرون صحتهم لتكسب المحافظة، يعانون من إهمال ملحوظ على صعيد الرعاية الطبية وعدم إجراء الفحوص الدورية لهم.
تشرين الجامعي حواياها وسيارته خارج المواصفات
 وعلى مبدأ من يلوث يدفع لذلك كان لزاماً على الجهات الطبية في اللاذقية وطرطوس دفع ثمن معالجة النفايات الصادرة عن منشآتهم وهي أرقام زهيدة على أي حال  قياساً بالكميات القليلة الواردة، منها مما يثير شكوكاً عن كيفية التخلص من هذه النفايات بطرق غير نظامية.
 وفي سياق الحديث ذكروا مشفى تشرين الجامعي الذي تورط بشراء حاويات قياس صغير لا تستوعب كامل النواتج الطبية في المشفى كما أن السيارة التي ينقلون بها لا تطابق المواصفات المطلوبة.
المزروعات تتغذى على عصارة النفايات
 ضللنا طريق العودة من المكب إلى الطريق العام وكان أن قادتنا طريق ترابي ضيّق إلى عشرات الدونمات المروية من خضار وبيارات ومن الطرق الفرعية كانت يخّرج «سوزوكيات» محملة بالغلال كوسا، خس، خيار . . . إلخ.
 ولم نكن بوضع للتفكير فيه إن كنا ممن يأكل هذه الخضراوات التي تتغذى على عصارة القمامة بل كنا مشغولين بكم الأنوف والأفواه وكش سراب الذباب.
 المختارية .. البصة الثانية
لا يغرنّك ذلك البعد عن العمران الذي يزحف على بطون الاسمنت إلى حتفه في قاسية، مشروع المكب الجديد الذي رأته الأقمار الصناعية أشبه بصحن يصلح للرمي والطمر ورأينا المنطقة حوله سحراً وجمالاً ستمتد إليه عبثية البشر.
 قاسية قد يكون أهون الشرين، فهو يبعد عن أوتوستراد اللاذقية 22كم وعن مدينة اللاذقية 25 كم ويبعد كيلو متراً واحداً عن المختارية أقرب القرى إليه، وضع حجر أساسه عام 2015 وحسب م. علي قاسم رئيس دائرة النفايات الصلبة في الخدمات الفنية الذي رافقنا بصحبة فني من المكتب علا صقر والمتعهد نور شاندين.
 حسب أولئك فإن قاسية أكثر من مكبّ هو مطمر صحي متكامل مؤلف من خليتين للطمر ومعمل فرز ومعل سماد ومبنى إداري وطريق محيطي إلاّ أن الحرب عطلت كل شيء لتصبح جميعها مشاريع مؤجلة باستثناء: الخليتان اللتان  سيتم الطمر بهما والطريق المحيطي وبعض الأعمال في الموقع العام وهذه الأعمال عهدت لمؤسسة تنفيذ الإنشاءات العسكرية- متاع 6 وقد بوشر بـ:
* العقد رقم 17 لعام 2016 الخاص بالشريحة الأولى بقيمة 45 مليوناً لمدة 120 يوماً بدءاً من 13/3/2018 وهو عبارة عن أعمال حفر بارتفاع 15 متراً ومساحة 6400 م2.
* عقد الخندق البيتوني لحماية الطريق المحيط رقم 101 لعام 2017 بقيمة 24 مليون ل.س لمدة 120 يوماً وقد انتهت مدته العقدية وهناك محاضر تسوية لاستكمال الأعمال المتبقية.
* العقد رقم 8 لعام 2015 الخاص بالطريق المحيطي ونسبة تنفيذه 70% لأعمال التسوية والحفر وفرش بقايا المقالع وجزء من حجر المكّسر
 أما الأعمال المتبقية من المشروع فهي:
* استكمال أعمال الخلية الأولى المؤلفة من خمس شرائح بمساحة إجمالية 12 هكتاراً وتتضمن استكمال أعمال الحفر بعمق 15 متراً وتنفيذ طبقة عزل وشبكة تصريف العصارة والغاز.
الخدمات الفنية مفلسة تستدين آخر الشهر
 الخدمات الفنية ست البيت المدبّرة تطلب من هيئة التخطيط والتعاون الدولي بموازنتها المخصصة للمكب مليار ل.س فتلبيها بـ300 مليون ل.س، وأنى لها أن يكفيها هذا المبلغ البسيط قياساً بالالتزامات المترتبة عليها م. قاسم يفصل هذا المبلغ الذي سيتأَكل من أول 3 أشهر ما بالك وديون الخدمات للإنشاءات 200 مليون كشوفاً متعثرة من السنة الماضية وهناك عقد بـ 25 مليوناً ومحضر تسوية للشريحة الثانية ب45 مليوناً و . .
ولاننسى مكب البصة الذي تكلف أعمال الدفش والرصف فيه 20 مليوناً بالشهر أي بمعدل 700 ألف ل.س وسطياً باليوم و... قس على هذا فالخدمات الفنية صاحب البيت المفلس الذي يستدين آخر الشهر.
سنبقُّ البحصة ونصيحتك يا سيدي بجمل غير أن جملنا غالٍ، فإن تعطل الآليات يوم عن الدفش والرص كفيل بإغلاق مكب البصة الذي اغلقت خلاياه من 2009 إلاّ أن الجهات المعنية استمرت بالرمي فيه لعدم جاهزية البديل وتم التحايل على الطمر بما أسموه دفشاً ورصاً فوق الخلايا بارتفاعات محددة فإن أي كلام يلوح بالإشارة إلى الخطر البيئي قد لا يكون في مكانه فليس بالإمكان أفضل مما كان، والرمي في مكب البصة مستمر حتى 2020حيث سيبلغ السيل الزبى ونكون أمام بحر من قمامة ربما بعدها يمتد الرمي إلى  البحر المجاور أو تصل القمامة إلى مفرق البصة.
 مكب عاثر الحظ
 جودت مرعشلي رئيس دائرة النفايات الصلبة في محافظة اللاذقية قال: مكب قاسية عاثر الحظ إذ لم تفلح جميع المحاولات  في تأمين تمويل مناسب له والرقم قفز إلى أكثر من مليار دولار وتبدو رئاسة مجلس الوزراء عاجزة عن تأمينه في هذه الأزمة وإن قسنا الأمر من باب الأولويات فمكب البصة من الملفات الأكثر سخونة على الصعيد البيئي في الساحل.
 

 

الفئة: