بحر الأبجدية ...نيسان سوريـّة

العدد: 
9091
التاريخ: 
الاثنين, 16 نيسان, 2018
الكاتب: 
د. رامز محمود محمد

نحنُ في زمنٍ - على حدّ تعبير السّاحر جبران خليل جبران :
(أصغرُ صغائِره أكبرُ منْ كبائِرِ ما تقدَّمَه . .)
ويقول: ( ومنْ الحكمةِ أنْ يسكتَ الضّعيفُ عندما تتكلّمُ القوى الكامنة في ضمير الوجود - تلك القِوى التي لا ترضى بغير المدافعِ ألسنةً ولا تقنعُ بسوى القنابلِ ألفاظاً)
فمرجلُ البشريّة يغلي اليومَ كما لمْ يغلِ بالأمس ، وما كان بالأمس في أسافله ، صار اليومَ في أعاليه ، وما كان في أعاليه صار في أسافله ، وهو في غليانه وتمحيصِ ما فيه ، لا يحابي أبيضاً ولا أسوداً ، ولا غنيّاً ولا فقيراً ، ولا كبيراً ولا صغيراً ، ولا بعيداً ولا قريباً ، وقد أُذنَ له بأنْ يطيعَ في سَوطِ ما بداخله من الكيانات الماديّة والمعنويّة لبني البشر ، أوامرَ الحقيقة الأسمى ، ببقاء الأنسب والأكمل والأجمل .
وأنْ يصهرَ الأممَ والشّعوبَ بمصهره الحامي ، فلا يُبقي ولا يذر أيةَ علاماتٍ فارِقةٍ أو حدود مُصطَنعةٍ للباطلِ بين الناس أجمعين ، وبأنْ يبدّدَ أوهامَ العالَم المتمدّن ؛ ليتبيّنَ الغويّ من الرّشيد ، والخبيثُ من الطّيّب.
وكما كان قدَرُ هذه الأرض في سالف الأزمان - أقصدُ أرضَ سوريّا - أنْ تكونَ مرقاةً للإنسانية للعبور إلى غاياتِها السّماويّة الرّفيعة عبر أنبيائها وحُكمائها وعباقرتها ، فهي اليوم تُهدي نيسانَ الحياةِ إلى العالَم المُنهَك ببرد الشتاء ، وتستردّ هِباتِ خريفه الموشّح بآلام الرّحيل ؛ زهوراً وعطوراً وألحاناً .
وأنصحُ الجمَّ الغفير منْ أبناءِ سوريّا والجغرافيّات العربيّة ، وبخاصّةٍ جمهرة الكُتّابِ والكويتبين ، والبُحّاثِ والمتباحثين ، ممّنْ يتلهّونَ بالثّرثرةِ حول مواقد نيران نكبات العصر المتّقدةِ ، ومَنْ يتسلّونَ بتفصيص بذور تلك النكبات لاستخراجِ لبابِها ، غافلينَ عن أنّهم إنّما يتناولون قشورها دون لبابها ، ويسكرون بطعمها عن ثمالتها .!
أنصحُ جميعَ هؤلاءِ نصيحةَ العارف المشفقِ والمجرّب بمآل الإنسان على هذه الأرض ، أرضِ النزعات والأهواء والمتناقضات ، والتي تجدّ سيرها مُصغيةً لإرادة الحقّ ، ولا تُلزمُ الحقَّ بمسالكها ومنزلقاتها ؛ أنصحُهم . . بأنْ يصبروا رويداً ، ولينصرفوا إلى أعمالهم اليوميّة والاعتيادية التي يُتقنون مهارتها ، فآلةُ عيشِ النّاس ما عتّمتْ في كلّ زمانٍ ومكان ، تحتاجُ إلى مَنْ يُديرُ عجلَتَها ، لتدرَّ كلَّ ما مِنْ شأنِ الجسد الحيوانيّ أنْ يستهلكهُ ممّا لذَّ وطاب واستعبد واستَتاب !
وليُريحوا وليستريحوا حتّى ينجليَ المشهدُ برمّته عنْ زبَدِه وزُبدتِه  ، ويتبيّنَ الماءُ والسّراب ، ولا يُؤخذوا بعاطفةٍ ساذجةٍ منْ هنا أو انفعالٍ عابرٍ منْ هنالك  ، وليكفّوا عن ليِّ عُنقِ الكلمة وكسرِ جناحها ؛ كي لا ترفع رأسَها أبعدَ منْ موطِئِ أقدامهم ، ولا تحلّق أعلى منْ أرنبةِ أنوفهم.
وليكنْ في معلوم كلِّ منْ يستسهلُ الإمساكَ بقلمٍ وقرطاسٍ أو لوحةَ مفاتيح ومتراس . . أنّ البونَ شاسعٌ بين أنْ تُبصِرَ شيئاً ، وبين أنْ تعبّرَ عنه بالكلمات .