فلسفة الحياة و الموت و تنازع الأرواح في فيلم (رجل و ثلاثة أيام)

العدد: 
9089
التاريخ: 
الخميس, 12 نيسان, 2018
الكاتب: 
ريم محمد جبيلي

فلسفة الحياة والموت وجدلية الصراع الأزلي بينهما، و التصادمات و التناقضات التي تتنازع الإنسان أمامهما.. تفاصيل الحياة اليومية في ظل الأزمة السورية و مشاهداتها.. هذه الأفكار
و غيرها قدمها المخرج المبدع جود سعيد في فيلمه ( رجل وثلاثة أيام) الذي بدأت عروضه في المركز الثقافي باللاذقية قبل عدة أيام بحضور المخرج و أبطال الفيلم و لاتزال مستمرة يوميا،ً إذ يقدم جود سعيد ملحمة سينمائية جديدة بطلها هذه المرة (الشهيد) بقداسته و عظمته، و الذي يمنح باستشهاده حياةً جديدة لغيره، مبيناً العلاقة البرزخية بين الحياة و عالم الموت، مقدّماً رسائل ناطقة على لسان الشهيد تمسّ وجدان وعقل المشاهد.

 

يستهلّ المخرج أولى مشاهده وآخرها بمشهد حقل القمح و الصمت الذي يلفّ أرجاء قرية سورية بعيدة جغرافياً عن تفاصيل الحرب لكنها قريبة جداً منها إنسانياً ووطنياً، وظهور نساء متّشحات بالسّواد هنّ أمهات وزوجات وأخوات
وبنات الشهيد، ويتقدمهن والده بزيّه القروي المألوف الذي يؤدي دوره المبدع عبد اللطيف عبد الحميد كضيف شرف، يقف وقفة عزّ وشموخٍ وكبرياءٍ فهو يحمل اليوم لقباً جديداً (أبو الشهيد) منحه إياه ولده ليفاخر به أمام الجميع، وتتوالى أحداث الفيلم في سردٍ يحاكي الواقع ويتلمّس مشاهداته اليومية، فالقصة واقعية بنى عليها المخرج أحداثاً ومفارقاتٍ وتطوراتٍ لامست وجدان الأزمة في مكانٍ ما، وابتعدت عنها مع الخيالية السوريالية التي طبعت الفيلم لاحقاً في غير مشهدٍ، لينتهي الفيلم بمشهد ولادة طفل الشهيد وكأنه خلق حياة من رحم الموت، طارحاً جدلية الحياة والموت وتعقيداتها وأسئلتها التي لا أجوبة لها منذ الأزل، وهل بعد الموت حياة؟ أم أنه نهاية لا بداية بعدها؟
(مجد) بطل الفيلم الذي أبدع الفنان محمد الأحمد في تجسيد شخصيته المركبة والمعقّدة  ذات الازدواجية، مخرج مسرحي مغرور أناني متعجرف، يعيش أزمة نفسية صعبة، يطلّق زوجته مع افتتاح آخر أعماله المسرحية ليفضّ شراكته العملية والزوجية معها، ويأخذ قرار السفر شأنه شأن كثيرين من شبان سورية الذين غادروها في عزّ أزمتها ظناً منهم أنّ الغربة ستعوضهم النجاح والشهرة والأمان والسلام الذين حرمتهم منهم طقوس الحرب وويلاتها، ليصله نبأ اسشهاد ابن خاله (بيرم) الضابط في الجيش العربي السوري، ويهاتفه خاله طالباً منه إحضار الجثمان إلى قريته لدفنه فيها، فيقضي (مجد) ثلاثة أيام ماراتونية اصطدمت خلالها محاولاته بنقل الجثمان بالفشل بعد أن فرضت عليه الحرب طقوسها من قطع طرقاتٍ وقنصٍ وقذائف حقد همجي طالت الأبرياء والآمنين. العيش مع جثّةٍ هامدةٍ يُنطقها المخرج لغايات تخدم النصّ السينمائي والتحديق بها، ومخاطبتها كما لو كانت حيّة تجعل من (مجد) شخصاً آخر تتنازعه مجموعة تناقضات ينتصر فيها الحق بعد أن يصطدم مع غروره وتعجرفه محدثاً تحولات وانقلابات جذرية في معتقداته ومبادئه ويستسلم إلى اليقين والحقيقة التي لا تتجزأ. و هنا نشيد بالتعاون البنّاء بين جود سعيد و محمد الأحمد كثنائي مبدع يدهشنا في كل مرّة، مع طرح الجديد والمختلف عمّا سبقه دون الوقوع في فخّ النسخ واللصق للشخصيات السابقة، إنما يكشف جود لنا إمكانيات وخفايا فنان سَبَر أغوار نفسه فأبدعا معاً.


كما يقدم المخرج مجموعة شخصيات رمزية تومي إلى مفردات و معاني كبيرة كشخصية بائع الكتب التي جسدها في حضور استثنائي المبدع (عبد المنعم عمايري) في مشهد لم يتجاوز بضع دقائق إلا أن حضوره كان آسراً مؤثراً و منفعلاً يُحسب له.
والحضور النسائي كان لافتاً من خلال الصراعات والانفعالات التي تتنازع نساء الحرب السورية، وما أرخته من ظلال وكوابيس تاهت فيها أحلام تلك النسوة وضاعت أيامهنّ سدىً، و لعل تفاصيل وتعابير وجه زوجة الشهيد (بيرم) التي تعجز العيون عن قراءتها، وفكّ شيفراتها وطلاسمها، أقوى وأكبر دليل على عزّة وشموخ المرأة السورية وصمودها في عزّ الموت لتمنح الحياة من جديد في خلقٍ وتوالدٍ مستمرين.
ويكشف الفيلم جوانب إبداعية جديدة في أسلوب جود سعيد السينمائي وطريقة طرحه لجدليات تعدّ مقدسةً عند بعضنا، وفق تجربة استثنائية صادمة لقلّة تناولها في السينما السورية عموماً، ورغم الدهشة التي يحيطنا بها السّرد الدرامي السينمائي وعدم توقّع الآتي، إلا أنه مقارنة بالتجربة السابقة له في فيلم (مطر حمص) نجد أنه رغم تقاطعهما في جوهر الأزمة السورية الراهنة وخوضهما غمارها من خلال كشف حقيقة الحياة والموت والتعايش معهما وتجاوز مرارتيهما، فإنه يؤخذ على (رجل وثلاثة ايام) إيقاعه البطيء إلى حدّ يدفع المشاهد إلى التململ أحياناً، وهذا ما رصدته من خلال ردات الفعل المباشرة للجمهور، في حين نجد (مطر حمص) بإيقاعه المتسارع من خلال التصاعد الدراماتيكي في خط الأحداث بأسلوب شيّق يجذب الجمهور ويحمّسه للمتابعة، لكن يبقى الوطن هو أصل وجوهر ومبدأ الأشياء ومبتغاها.
 (رجل وثلاثة أيام) تجربة سينمائية رائدة، ونقلة نوعية في خط السينما السورية ستترك بصماتها لتكون نقطة تحوّل تُبنى عليها تجارب لاحقة عبر عدسات مختلفة، و جود سعيد الذي لم يتربع على عرش (مطر حمص) لابدّ سيُتحف عشاق الفن السابع بمنتج سينمائي سوري جديد يضاهي إنتاجات السينما العالمية بجدلياته المتفّردة وطروحاته اللافتة.
يذكر أن الفيلم سيناريو وإخراج جود سعيد وبطولة كل من: محمد الأحمد - ربا الحلبي - لمى الحكيم - كرم الشعراني - ومصطفى المصطفى وغيرهم وضيفا الشرف: المخرج عبد اللطيف عبد الحميد والفنان عبد المنعم عمايري وهو من إنتاج المؤسسة العامة للسينما.
 

 

الفئة: