بين الشط والجبل كل الذين أحببتهم..

العدد: 
9072
التاريخ: 
الأربعاء, 14 آذار, 2018
الكاتب: 
سيف الدين راعي

لاتعتبي . . إن ضاع صوتي الوحيد في المدى.

فكلَّ من كانوا هنا . . راحوا. . ولم يبق حتى الصدى . .

أردتُ لصدى هذه المقطوعة الشعرية أن يبلغ المدى . . كل المدى لأن من أحببتهم تواروا خلف هضاب الغياب . لأراني وحيداً ألملم بقايا الذكريات التي قبعت سنين طويلة تقذف الطين في وجهي . . ولأجدني عالقاً في الظلام والتعب يسير جبالاً من الهم في دروبي . .

كلّ الذين أحببتهم ارتحلوا في عباءة الليل يسرحون في مواويل الخيبات فتطوي زهرة القلب وريدها وتنشج بصمت ولكأنما لفّها صقيع الشمال فأغلقت نوافذها المطلة على البحر وانسربت مع جداول النوم . .

كل الذين أحببتهم غابوا.. ولطالما كانوا يرفون رفُّيف الحلم المجنح بالأماني. لاهين لا يعكر هناءتهم وشايةً أو غيمةً . كانوا ملء شبابهم. وأنَّى للوحشة أن تجد سبيلاً إلى مرحهم.

كانوا يساهرون القمر حتى أفوله ويقولون للفجر. انهض أما مللت من سباتك؟؟

واليوم.. كبرنا . . وكبرت معنا همومنا. ولم يتبق لنا غير الذكريات نسترجع ما كان موحشاً منها وما كان مؤنساً. فأراني أتنقل بين أطايب البيلسان الذي كان يملأ مراكب العمر وأراني يسكروني  الحسن الذي كان يغفو على أكتاف الليالي وينسرب أسراب الصباحات الجميلة . .

وحدها الذكريات لا تشيخ . . تعودني منطرحةً في أراجيح الغمام. ترّف كالومضة. صورة هنا وصورة هناك. لأجد ما ألمحه فوق احتمال العيون فأغمض عينيَّ لأرى الصورة تتوضح أدعكهما بلطف تتوضح الصورة أكثر. إنهم صحابي يموجون كاخضلال المنى. يضوعون عبقاً وطيوناً ورياحين. فأمد يدي محتضناً خيالات تخطر أمام فرجة العين. فتشرق ابتسامةً ما . . ويندى القلب . .

يقولون: (الأعمال تُحسب بالرجال) وإني لأعجب كيف نتوارى باكراً والشيب لم يكلل الفودين بعد؟!

وأفتش عن الأسباب. وأسأل: هل هم الصحاب أم شياطين البلاغة أم الحبيبة؟

وعلى قول الشاعر فايز خضور:

وحقك عرافة الرمل مالي حبيبة؟

كل الذين أحببتهم امتطوا قوارب من الهم.

تواروا في كهوف الضياع..

ولطالما سألت: أتراهم يعودون؟

ياليت يعودون . .