بـحــر الأبجــدية...التـّحمـّل والصـّبر

العدد: 
9072
التاريخ: 
الأربعاء, 14 آذار, 2018
الكاتب: 
د. رامز محمود محمد

أبدأ مقولتي بهذا القول الحكيم : (الاحتمال قبرُ العيوب) بمعنى أنّ الإنسان الذي يتخلّقُ بهذه الخِلّة الرّائقة لا يرى النّاسُ عيبَه ، فكأنّه بلا عيوب لأنّه دفنها ووَارها عن أعين الناس ، بتحلّيه بهذا الخلق الرفيع .
والاحتمال في المقولة السابقة هو تحمّلُ الأحداث والتوازن معها وفيها ؛ وعلى أيّة هيئةٍ جاءتْ . . سواء كانتْ على صورة نِعمٍ مادية تحملُ رفاهية العيش وطمأنينة وملذات الجسد ، أمْ كانت عكس ذلك ؛ أي أتعبت الجسد ، وآذتْه ، وأقلقَتْه ، وجعلتْه يعاني منْ الألم والحرمان .
ووفق المعنى الرقيق السابق يقترنُ (التّحمّل) بالمعرفة والفهم ؛ فكلّما ارتقى الإنسان أكثر في سلّم الوعي والعرفان كلّما كانَ أقدر على التحمّل في كل ظروف العيش ، وباختلاف شؤون ومُجريات الأحداث في الحياة والتي يمكننا أنْ نعرّفها بمصطلح آخر هو (البلاء) فالبلاء هو كلّ الصّعوبات التي تحدث ملازمةً للوجود الإنسانيّ الأرضي أي وجود الجسد المقترن بعوالم المادة الكثيفة ، وما يترتب على ذلك منْ أسبابٍ ونتائج .
فالبلاء يحمل في طيّاته معاني الاختبار والامتحان ، ومعلومٌ أنّ الامتحان سببٌ يترتبُ عليه نتائج ، فهو يستبطنُ علّةً شريفةً ، ويسمو لتحقيق غايةٍ ساميّة ، وهي إطلاق قدرات العقل ، وتنشيط فاعلية الروح ، لأجل التغلب على كلّ الصعوبات والعراقيل التي تعترض سبيلهما وسط عالم الثنائية من خير وشر ونور وظلام وفضيلة ورذيلة . . فالتّحمّلُ يعني القدرة على فهم واستيعاب أحداث الحياة والنظر إليها باعتبارها امتحاناً واختباراً للإنسان ؛ لا أنّها سلسلة منَ المصائب والمكروهات التي ينبغي الانقباض لذكرها ، والتوجس منها خيفةً أو رُعباً .
ووفق ما سبق فالتّحمّل يتناقض مع (الصبر) الذي يعني القبول الظّاهري والرفض الدّاخلي ، والذي تختبئُ في دهاليزه معاني الضعف والوهن ، وتحدوه رَوْحُ الاستسلام والقنوط . . وربما لهذا قيل: صبرٌ جميل ؛ وهو التّحمّل ؛ بما يوحي أيضاً بوجود صبرٍ غير جميل ، هو خلق الأغلبيّة السّاحقة منْ بني البشر التي لا تتجشّم عناء البحث والتفتيش بإعمال العقول وإطلاق العنان لطاقات الروح الفاعلة في الجسد الترابي.
وختاماً أدلّلُ على كلّ ما ذكرتُ بمثالٍ ذي وجهين أو جهتين:
إنسانان يبلغا حافّة العمر ؛ أحدهما قضى أيامه المنصرمة بالملذات والشهوات الحيوانية والغش والظلم وضيق الأفق ؛ فينظر إلى حياته كلّها عند عتبة الشيخوخة بأنها مصيبة كبيرة لا مناص من قبولها والصبر على بقيّة أيامه في الدنيا .
وأمّا الآخر فأمضى أيامَه بمحبة الناس والعمل النافع لهم ، والسيرة الحسنة فيما بينهم ، وكرس أيامَه في خدمتهم ، والتضحية بملذات وراحة جسده لأجل إسعاد نفسه وإسعادهم ، فأبدع في حياته الأعمال الجليلة والنافعة لنفسه ولغيره . إنّه يقف على عتبة شيخوخته فيرى حياته عظيمةً ومليئة ، فيملأه الرضى ، وتكللُ هامةً قلبِه الطمأنينة ؛ فيتحمّل بقيّة أيام شيخوخته سعيداً مغتبطاً وناظراً إلى الشاطئ الجميل من حياته المُقبلة والجديدة .