«جمعية بشائر النور» في ضجيج الطرقات الوعرة .. تستحوذ على مراكز متقدمة بالأولمبياد العالمي

العدد: 
9072
التاريخ: 
الأربعاء, 14 آذار, 2018
الكاتب: 
هدى علي سلوم

دو.. ري .. مي.. أسمعها من بعيد تخرج من ذاك المكان, تتشظى في ضجيج الطرقات الوعرة, وتتماهى مع النسائم المرحة, وتلهو على شرفات الأيام.
أنتظر خارجاً أن ينتهي دون أي انتباه, فأصابعه لا تنفك تندفع وتتوثب مفاتيح البيانو, وتتراقص على الأوتار. ليمخر في غياهب يمّ الآمال الندية المعمورة بالموسيقا والجمال.
دو.. صول.. سلم يتدرجه, فيرنو به المستقبل والأحلام. صولفاج سنواته الصاخبة المهزومة يدوزنها بالقرب من والدته, التي يجول وجهه في عينيها وعلى لجين مائها يهدأ ليتوقف ويرتمي بين ذراعيها بظل امتنان.. لحظات لم تطل حيث لحظ وجودنا.. فكان مناَّ التحية والسلام. وسرعان ما بدأ الحديث والكلام.
وكنت قد سألتها عن أرقام الهاتف والموبايل, فرد بابتسام جواباً صحيحاً دون تلعثم أو تردد, وهنا تضحك والقلب يصطك ألماً وطرباً لتقول: هو يحفظ الأرقام أكثر مني. تغرق مقلتيها بالدمع وتطفو على صفحتيها البيضاء وتتابع القول: الحمد لله. ولدي اليوم  بات شاباً متعلماً, يعتمد على نفسه, ويحقق استقلالية بعلمه في المكتبة, هاقد وصل إلى شاطئ الأمان.
السيدة وديعة قعقع- أم حسان الشاب التوحدي والعازف الماهر- عضو مجلس إدارة جمعية بشائر النور- أشارت في بداية لقائنا إلى أن حسان كان شرارة البدء بنور شمعة ميلاد جمعية بشائر النور, فقالت:
في سنينه الأولى بدأت تعليمه وتأهيله ليدرس ويندمج مع رفاقه في المدرسة, ثم ليعمل ويعتمد على نفسه, واليوم اطمأَّن قلبي عليه, وكانت الأمهات  اللواتي يعانين نفس أمري يترددن على بيتي, وتتدفق عليّ الطلبات, وهو ما فاق فيها أمري, واستحال على استيعابهم المكان, فكان أن فكرت بجمعية النور لأطفال التوحد ومتلازمة داون وهي مؤسسة أهلية غير حكومية والعمل تأسست في 15/6/2006 بقرار إشهار من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل برقم 1198, من أهدافها:
إقامة مركز متخصص لتأهيل وتدريب الأطفال, إذا إنَّ التجربة أثبتت أن التدخل المبكر يمكن أن يساعد الطفل على النمو, ويجنبه ازدياد عوارض المرض, بحيث يصبح أقرب إلى الطبيعي, والعمل على إنشاء مركز تدريب يهيئ الطفل أن يكون عضواً فاعلاً ومنتجاً في المجتمع, واليوم نعمل على تجديد هذه الأهداف و الإضافة عليها تبعاً للتطورات القائمة والمستجدات وتابعت:
لقد أرخت هذه الحرب الأليمة الكثير من الآلام والأوجاع, فكان أن ازدادت الحالات النفسية والاضطرابات, وازداد عدد الأطفال في الجمعيات والأعباء كما ازداد عدد المتطوعين والعاملين بالخير وإسعاد الناس من طلاب وجامعيين وآخرين, لكن لم تكن التبرعات والدعم المادي على وزن الحاجة والإلحاح, وكان أن كسبنا الود والتعاون مع المنظمات الدولية مثل: u NTمعهد كاريتاس, الهلال الأحمر ومركز آمال, فقد تلاقينا في الخطط والأهداف وأضافت: يوجد في المركز أكثر من 18 مدرساً من ذوي الخبرة والكفاءات والشهادات الأكاديمية, يتوزعون في دوام صباحي ومسائي, بضمان أكثر من 85 طفلاً, منهم 30 في جلسات فردية خاصة تأهيلية بعد الظهر, لدمجه مع رفاقه صباحاً.
كادر الجمعية التعليمي هو فريق متعدد الاختصاصات يتألف من : طبيب (نفسي, أعصاب للأطفال, مساعد اجتماعي, مربين مختصين, معالج( نفسي, حركي, نطق).
وكان أن شاركتنا الحديث والحوار السيدة أمينة مثبوت- رئيسة الجمعية: حيث أشارت إلى كيفية استقبال طفل قادم إلى الجمعية فقالت:
نقوم بداية بإعداد تقرير اجتماعي من قبل أخصائي (اجتماعي, نفسي, نطق) ثم تقييم أدائه باختباره للتعرف على نقاط الضعف والقوة لدى الطفل, والتي تشمل جوانب شخصه المعرفية والحركية والمهارات والمفاهيم الأساسية, ثم يأتي تقييم النطق, وبعدها توضع خطة عمل للطفل من قبل الأخصائيين الثلاثة للتعاون مع الأهل فيكون مثمراً ويحقق المبتغى والمطلوب, وتابعت:
بداية نزجه في جلسة فردية لتأهيل سلوكه, وبعد ستة أشهر يأتي التقييم والخطة لخرطه في الصف مع رفاقه في الدوام الصباحي الكامل, وإن التدخل المبكر في عمر الأربع سنوات هو ما يحتاجه الطفل ذوي الاحتياجات الخاصة, حيث نقدم له الخدمات كافة: التعليمية والترفيهية والصحية, وجلسات النطق وتعديل السلوك. وصحيح أننا نمتلك أدوات العلاج الفيزيائي. لكننا نفتقر للمكان في غرفة إضافية تتسع له, ولدينا صفوف تأهيل لدمجهم في المدراس, وقد دمجنا أكثر من 15 طفلاً بين رياض أطفال ومدارس عامة.
ونقوم بمتابعة مستمرة لهم من قبل أخصائية المركز والجهاز الإداري في المدرسة, منهم من وصل لنيل الشهادة الإعدادية, وبينهم الشاب (بشر) قد وصل للشهادة الثانوية, ومن لم يستطع وحالته حرجة نعده ليعتمد على نفسه في تدبير أموره الشخصية على الأقل, فكل طفل ينفرد بحالته, كما أعددنا العدة على التأهيل المهني وتحقيق الاستقلالية عن طريق ورش متعددة منها : الرسم على الزجاج, صناعة الشمع والأشغال والاكسسوار صناعة الصابون وتوضيب وتعليب الخضار والأطعمة والمربيات, وكان أن قمنا منذ بضعة أيام بعرض منتجاتهم بالمعارض الخيرية وتشجيعاً لهم فيها نصيب من البيع ومردود.
ونقوم بالعديد من المحاضرات والندوات والدورات وهي في تجدد مستمر, لتضيء مسالك الاحتياجات,بمواضيع متنوعة ونوعية وثقافية وتدريبية للمعلمات وأهالي الطلاب, كما الاجتماعات الدورية مع أولياء الأمور لعرض المشاكل وطرح الحلول, كما لنا من أيام الفرح الكثير والاحتفال في المناسبات الوطنية والأعياد فقد شاركنا مع مديرية البيئة بمعرض (وطنك بحبك.. حب وطنك) قمنا مع البلدية بنشر قصاصات ملونة تكتظ بتوصيات وإرشادات عن النظافة والحفاظ على المنشآت العامة والماء والكهرباء, وفي أعياد الميلاد ورأس السنة كان لنا احتفالية للترفيه وتوزيع الهدايا, وأيضاً في يوم التوحد العالمي كان لأطفالنا رسم على الوجوه, قام به متطوعون من الكنيسة والجامعة, حيث فيه التجديد وكسر الحواجز وروتين الدرس والصف الذي جاء بالفرح على الأطفال, ولنا نصيب يوم في الأسبوع من عمل فريق الهلال الأحمر للدعم النفسي, شباب وشابات يتوزعون على الصفوف ليقوموا بنشاط يناسب حالة الطلاب، كما أن نشاط أطفال جمعية بشائر النور قد وصل إلى العالمية, فاليوم قد ودعنا اثنين من شبابنا المبدعين بكرة الطائرة, ولنا أمل اللقاء مع فوز كبير, وقد سافرا من أجل المشاركة في بطولة الأولمبياد العالمي لدورة الإمارات في دبي, فالجمعية لديها فرقٌ رياضية تتردد على الملعب البلدي بشكل أسبوعي للتدريب, ولدينا مشاركات عديدة في الأولمبياد داخل وخارج القطر, يمارسون ألعاب القوى والجمباز والطاولة والريشة والسباحة والكاراتية, ونستحوذ على التصفيات والتأهيل للأولمبياد العالمي ( الفائز) بلعبة الريشة, وكان قد وصل سابقاً سباح عالمي إلى لوس أنجلوس باسم جمعية بشائر النور.
وتختتم الحديث السيدة وديعة فتقول :
حقق أولادنا مراتب ومراكز هامة خارج الوطن, وقطعنا بهم مراحل متقدمة وأشواطاً كبيرة, لهذا نأمل في القريب أن يكون لدينا معملٌ صغيرٌ يكون فيه ملاذ الطلاب, ومصدر عيشهم, ومكسب رزقهم, يبيعون فيه منتجاتهم, وتغدو مشاريعاً صغيرة في طور النمو, يعتمد فيها على نفسه, ويحقق ذاته واستقلاله, فتطمئن القلوب لغدهم ومستقبلهم.
أدمون عكفلي _ مدرب : أشار إلى أنه يعمل في الجمعية منذ إنشائها, وقد خضع للعديد من الدورات التدريبية ليكون قادراً على التدريب في الجمعية ولمواكبة أحدث الدراسات واللحاق بركب التطورات في مجال عمله واكتساب الخبرات, منها: دورة مع المنظمة الأوروبية بدمشق لمساعدة المسن وكيفية إعداد وإقامة المحاضرات والندوات, وأيضاً منذ بضعة أشهر فقط قمنا بزيارة إلى مراكز وجمعيات في لبنان, وكان لنا فيها المزيد من الخبرة والمعرفة, حيث أنها أماكن واسعة مزودة بالكثير من الأدوات والمساعدات, وأضاف: أعمل اليوم على جلسات فردية مع أطفال الجمعية بعد الظهر, وهي مرحلة ما قبل المهني, وأرجو أن ينال طفلنا المكان الذي يستحقه .
 

الفئة: