عين على الاقتصاد...إعمار البشر قبل الحجر

العدد: 
9072
التاريخ: 
الأربعاء, 14 آذار, 2018
الكاتب: 
د. عابد فضلية


إنّ نجاح عملية إعادة الإعمار يجب أن يسبقه قبل كل شيء وضوح الرؤى المستقبلية لهذه العملية وفق استراتيجيات وطنية، تشمل جوانبها التنموية المادية والاجتماعية والبشرية المستدامة، وفق سلم أولوية متدرج، كما أنّ هذا النجاح مرتبط أيضاً بموضوعية وواقعية ووضوح خططها وبرامجها التنفيذية، وبالتالي لا بد أن تكون هذه الرؤى والخطط والبرامج متكاملة مستندة إلى استقراء صحيح وموضوعي للواقع وللإمكانات المتاحة، فنياً ومادياً وزمنياً، موزعة تنفيذياً على سلم أولويات، الأكثر ضرورة أولاً، ومن ثمّ الضروري فالأقل ضرورة ، مع التنويه بأيّ خطة لا يكون تنفيذها مؤكد التمويل تبقى مجرد أمنية.
أمّا عملية التنفيذ فلا يمكن أن تنجح إلّا بالاعتماد على الجهود الوطنية، وباستنهاض كافة الطاقات المادية والبشرية المحلية، يقودها العقل السوري وتحكمها ثروة المعرفة، التي يجب استثمارها والاستثمار فيها، فالخبرات والمساعدات والاستثمارات الأجنبية التي لا شك أنها لازمة وضرورية وداعمة في إطار عملية إعادة الإعمار، إلّا أن قدوم واستدامة وجدية هذه المساعدات والاستثمارات الأجنبية، مهما عظمت، رغم ثقتنا بجميع الدول الصديقة – تبقى بالمحصلة مرتبطة إلى حد كبير بالمناخ والوضع الأمني الداخلي والإقليمي والدولي من جهة، وبالمواقف السياسية والدبلوماسية والأيديولوجية من جهة أخرى، لذلك فإن الاعتماد على الذات واستنهاض الطاقات الوطنية السورية، لاسيما الطاقات المعرفية والعقلية والفكرية، ليس خياراً، بل ضرورة حتمية.
فالدول الأجنبية، بما فيها الصديقة، يمكن أن تبيعنا منتجات التكنولوجيا والمصنوعات المبتكرة وقد تهدينا إياها في مرحلة ما، ولسبب ما، ولكنها بالتأكيد ستحجب عنّا المعرفة التي أسهمت في إنتاج هذه التكنولوجيا والمصنوعات، لذلك علينا أن نؤمن بأن المعرفة هي قبل كل شيء خلق ذاتي للفكر، وأنّ صقل وتطوير هذه المعرفة يمكن أن يتم بعد ذلك من خلال التراكم والنقل أو تعلم المزيد، أو حتى الاقتناص من الآخرين ... ولكن حتى نقل أو اقتناص المعرفة يتطلب عقلاً علمياً، إن لم نقل حداً أدنى من الفكر المنظم وهذا ما علينا نحن السوريين تطويره، وقادرون على ذلك إن صممنا بصدق، لأنّ تاريخ تطور البشرية عبر العصور، شهد للسوريين القدماء بذلك، فليشهد اليوم.
 

الفئة: