حوار الوحدة...الباحث الدكتور صلاح صالح: الرواية .. فنّ التفاصيل والغزارة المعرفيـّة التي أتاحها هذا العصر لأبنائه

العدد: 
9071
التاريخ: 
الثلاثاء, 13 آذار, 2018
الكاتب: 
أجرته د. رفيف هلال

 الباحث الدكتور صلاح صالح، حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة دمشق، في اختصاص النثر العربيّ الحديث، وهو متعدّد الاهتمامات، إذ إنه باحث وناقد وشاعر، إضافةً إلى اهتمامه بفنّ الرسم، لكنَّ نشاطه المحوريّ يتركّز في البحث والنقد عموماً، وبصورة خاصّة في مجال الرواية وتقديم الدراسات المتوالية بشأنها، له العديد من المساهمات في الدوريّات الجادّة والمحليّة، إضافةً إلى عدد من المؤلّفات نذكر منها: قضايا المكان الروائيّ - الرواية العربيّة والصحراء - سرديّات الرواية العربيّة المعاصرة - ممكنات النصّ - سرد الآخر - مشارق الحكي - عتبات لرؤية مضاعفة  - المدينة الضحلة، وبخصوص أبحاثه الروائيّة كان لنا معه هذا اللقاء:
 ما سبب اهتمامك بالأبحاث في الرواية تحديداً من بين الأجناس الأدبيّة الأخرى؟


هذا سؤال يحتاج بغية الإجابة عنه إلى وقت أطول من هذا المخصّص لمقابلة في جريدة. لكنني أستطيع أن أزعم أنَّ الرواية هي أدب العصر، أو بالأحرى إنها الجنس الأدبيّ الأكثر استجابةً للبحث في هموم الإنسان المعاصر، والقدرة على التوغّل في أروقته وزواياه بصورةٍ لا تُتاح لسواها من الأجناس الأدبيّة كالشعر . . إنها فنّ التفاصيل، فنّ الغزارة والوفرة المعرفيّة التي أتاحها هذا العصر لأبنائه. إنها الأكثر كفاءةً للتعبير عن روح العصر بكلّ ما تعنيه هذه من معنىً. ومن النافل أن نقول: إنَّ الرواية هي ابنة الثورة الصناعيّة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وابنة الصحافة التي تهتمّ بقضايا الإنسان وقلقه وأشيائه العديدة.
ما الدافع إلى تركيزك في أبحاثك على عنصر الرواية بصورة خاصّة؟
   حين كان معروفاً أنَّ الرواية تقوم على سرد الأحداث والوقائع، فقد عمد أصحاب الرواية التاريخيّة والكلاسيكيّة إلى الاهتمام أوّلاً بسلاسة هذا السرد وجماليّته، بغية إيصاله إلى المتلقّي بأبسط صورة، وكذلك إلى الاهتمام بالزمان، والشخصيّات اللذين يرتبطان بهذا السرد. أمّا بالنسبة إلى المكان، فقد عمدوا إلى تنحيته، وجعله مجرّد رقعة ملساء، بغية إخلائه من العقبات التي من شأنها أن تعيق حركة الزمان والشخصيّات. أمّا في الرواية المعاصرة، فقد تحوّل نظر الروائيين إلى كون المكان فاعلاً في حركة الشخوص، وإنشاء الزمان، وعدّهم أنَّ لكلّ مكان زمانه الخاصّ. لذلك كنتُ من أوائل المبادرين إلى الاشتغال على المكان، ليس بوصفه فقط عنصراً من عناصر التكوين الروائيّ، إنما بوصفه أقنوماً من أقانيم الوجود الذي نحن أبناؤه شئنا ذلك أم أبينا.
من خلال مؤلَّفك الذي هو بعنوان «الرواية العربيّة والصحراء»، كيف تجلّى لك الفارق ما بين رؤيا الصحراء في الرواية، ورؤيا الصحراء في الشعر الجاهليّ؟
هناك عنصر مشترك بينهما، يتمثّل في الإحساس العميق بجماليّة هذا المكان . . لكن يبقى هناك فارق واضح يمكن أن نتحسّسه، فالشاعر الجاهليّ كان يصغي إلى ما يُسمّى نبض الصحراء، إلى الأصوات الخفيّة التي يمكن أن تأتيه من مختلف المجاهيل، من هذا المكان المفتوح بامتداداته اللامتناهية التي تكاد تندمج بالسماء. وقد ظهر انشغال الجاهليّ بصحرائه من خلال رحلته المنفردة مع نفسه ومع ناقته، هذه التي كانت تطول أحياناً إلى أسابيع أو أشهر، فيلحظ فيها ما يلحظ من عناصرها المتنوّعة، من جبال ووديان وكثبان رمليّة ونجوم، مع ما كان يتقصّاه من الفارق الحادّ ما بين الليل والنهار، وما يُحدِث من تمدُّدات وتقلُّصات، من شأنها أن تُصدِر أصواتاً توحي إليه بوجود كائنات غيبيّة غير مرئيّة. أمّا بالنسبة إلى الرؤيا المعاصرة بخصوص هذه الصحراء، فقد انتفت منها تلك الغيبيّة، لكون الروائيّ هنا قد أصبح رجل علم وواقع، باستثناء بعض الكتّاب الذين ظلّوا مرتبطين وجدانيّاً وثقافيّاً بالصحراء، وإن لم ينتموا إليها مكانيّاً بصورة مباشرة. لقد استطاع هؤلاء أن يرسّخوا ويواصلوا الرؤيا الثقافيّة التي أسّسها الشاعر الجاهليّ، إضافةً إلى منحهم إيّاها أبعاداً لا نستطيع نحن أهل العمران والخصب استيعابها.
مقابل اهتمامك بالمكان في الرواية، هل تفكّر في أن تقدّم دراسة بشأن عنصر الزمان ؟
هذا أمر مشروع طرحتُه على نفسي لدى اشتغالي بالمكان. ومن خلال قراءتي الروايات، تشكّلت لديّ مادّة حول زمنيّة الرواية، والتزمّن الموجود فيها بالضرورة.. لكن ما جعلني أُرجئ عملي هذا أو أتخلّى عنه بالأحرى، هو وفرة الدراسات المذهلة التي تناولت العنصر الزمانيّ بأشكاله الكاملة، وتوجّسي من ألّا أضيف شيئاً جديداً إليها، أو أن أبتعد عن مبتغاي المتحدّد، في أن أضيف دائماً فرقاً ولو طفيفاً ما بين ما أقدّمه وما يقدّمه سواي .
ما مستقبل الرواية العربيّة في منظورك؟ هل ستظلّ تشكّل ديوان العرب؟
بكلّ أسف أقول: إنَّ الأجناس الأدبيّة كلّها مهدَّدة بالزوال، أو بالأحرى بموت النصّ الأدبيّ بعد موت المؤلّف، ذلك كما أورد الدكتور حسام الخطيب في مداخلة له ضمن أحد المؤتمرات، بفعل ما أوصلَتنا إليه التكنولوجيا من إنتاج الحواسيب نصوصاً يمكن أن تستغني بكفاءتها عن نصوص البشر. وأضيف إلى ما سبق، أننا أصبحنا في زمن ضاق فيه كلّ شيء بما فيه الوقت، الذي لم يعد يتيح المجال لقراءة رواية بمئات الصفحات، على نقيض قراءة القصيدة التي تستغرق دقائق، أو ما لا يزيد على بضع ساعات لمن أراد التدبُّر فيها . لقد أصبح من العسير إنجاز قراءة الرواية في هذه الحياة التي تتقدّم وتكتظّ بكلّ شيء، برغم ما يشعر به القارئ حيالها عادةً من المتعة والانجذاب. لقد أوصلَتنا التكنولوجيا إلى زمن، باتت فيه الرواية مهدَّدة كما حال الأجناس الأدبيّة الأخرى، بل كما حال التلفزيون، بعدما كان هو المسيطر على حياتنا بكلّ أشكالها، وبعدما كان الملتهم لكلّ ما سبقه من فنون مهمّة سائدة كالمسرح والسينما.
ما رأيك بالاتجاه النسويّ في الرواية العربيّة؟
في الحقيقة إنني أؤمن بأنَّ الفنَّ فنّ قبل أيّ اعتبار آخر  لكنَّ المشكلة بهذا الصدد أصبحت تكمن فيما يسود حاليّاً من سهولة النشر، التي أتاحت لربّات البيوت اللائي لم يكنَّ في الأصل مؤهَّلات إلا للعمل المنزليّ، أن يسرعنَ إلى هذا النشر لمجرّد إمساكهنّ بالقلم، وكتابتهنّ ما يشأنَ وكيفما يشأنَ . وقد تناولتُ في كتابي «مشارق الحكي» جانباً من هذه الظاهرة، ظاهرة القصّ النسويّ الذي لا يلبث أن يجد من يروّج له ويسوّقه، ولا سيّما في بلدان الخليج، حيث الوفرة الماديّة التي تُيسِّر لهنَّ تحقيق هذا الغرض كما سواه. هذا بالإضافة إلى الطباعة الأنيقة التي من شأنها أن تجتذب القرّاء، ولا سيّما حين تُستتبَع غالباً بإلصاق الأديبات صورَهنَّ الزاهية البهيّة على كامل صفحة الغلاف. إنَّ مثل هؤلاء الكاتبات بتنَ يستسهلنَ الكتابة إلى درجة الإسفاف والاتّضاع، وبخاصّةٍ حين يلقينَ العون والتشجيع ممن يحيط بهنَّ من أقرباء وأصدقاء. الأمر الذي انتهى بالمكتبة العربيّة إلى احتشادها بأطنان أو بآلاف العنوانات من قِبَل هؤلاء اللائي سمّيتُهنَّ في مقالة لي «ربّات المنازل وأرباب الأدب» . علماً أنني لا أرى الرداءة منحصرة فقط في الأدب النسائيّ، فهناك الكثير من الأعمال الوضيعة التي تعود إلى الذكور، لكنَّ ما أراه، هو أنَّ الهجوم على كتابة الرواية يتمّ الآن بصورة خاصّة من قِبَل النساء. وهنا يظهر دور النقد، الذي من شأنه أن يميّز ما بين الأعمال الجيّدة وغير
الجيّدة، لكن بكلّ أسف أقول: مثلما للمسوّقين دورهم في ترويج هذه البضاعة، كذلك نلحظ لدى بعض النقّاد دورهم المماثل.
نجد لدى الكثير من الروائيين والروائيّات، استعراضاً خلال أعمالهم لحشد معلوماتهم الثقافيّة، بل نجد في رواياتهم، محاولة جعلهم منها نصوصاً مفتوحة يوحون من خلالها بتمكّنهم من الأجناس الأدبيّة الأخرى. هل ترى في هذا أو ذاك أمراً سلبيّاً أم إيجابيّاً ؟
أظنّ أنَّ أوّل من تحدّثَ عن الاستعراض الثقافيّ هذا هو الدكتور حسام الخطيب. لكنَّ الرواية بطبيعتها جنس مَرِن يقتات من الأجناس الأدبيّة الأخرى، والمعلومات الثقافيّة الأخرى. وبصورة أكثر وضوحاً، إنه يستفيد من الشعر والمسرح والوصف الجغرافيّ والتاريخ وعلم النفس، بل حتى من الرياضيّات المعاصرة. إنَّ الرواية في الأصل جنس مركَّب، وهو شديد المرونة إلى حدٍّ يُمكِّنُه من تمثّل واستيعاب كلّ ما في حوزة الروائيّ من مخزون أدبيّ ومعرفيّ. ولا أعتقد أنَّ هذا يشكّل أمراً خطيراً، لكون كلِّ كتاب وليس الرواية فقط، ينبغي أن يقدّم لقارئه مكسباً معرفيّاً جديداً. مع ذلك، إذا تحوّلت الرواية في غايتها إلى مجرّد استعراض ثقافيّ وأدبيّ، فمن المؤكّد أنَّ هذا سيقلّص من قيمتها. وهنا يبرز ما يمكن أن نطلق عليه، لعبة التوازنات داخل النصّ، بحيث لا يطغى هذا الاستعراض على النصّ الروائيّ بحدّ ذاته. إنَّ الأمر يتمثّل هنا في المعايرة، التي تفترض ألّا يسيطر عنصر على حساب سواه.

 

الفئة: