الزمن والإبداع الأدبي

العدد: 
9071
التاريخ: 
الثلاثاء, 13 آذار, 2018
الكاتب: 
أسامة معلا

لايمكن فصل أي عمل أدبي عن الزمن، وكثيراً مايكون الزمن هو البطل الذي تدور حوله وتنبثق منه الأحداث والتغيرات، وهذا مانراه في عناوين كثيرة لقصص وقصائد وروايات ودراسات نقدية، ويتمايز الزمن مع اختلاف الشكل الأدبي ومع نظرة الكاتب وفهمه وثقافته، والزمن ليس كتلةً جامدة وليس نسقاً واحداً ولا اتجاهاً ثابتاً إنما متحول كبير ودائم يحول معه باقي الأيقونات الأدبية والنفسية ويعيد تشكيلها من جديد ويشكل أساس المنظومات الفلسفية الواقعية والكلاسيكية والوجودية والمادية التاريخية، وهو ضمانة ومقياس لمدى تقدم وتطور الناس والأمم والكائنات بأسرها . . . وحين نقرأ عملاً أدبياً لابدّ من البحث عن موضوع الزمن بكل أشكاله في متن هذا العمل وتضاعيفه وحين نسند كل الأحداث المتحولة فيه إلى الزمن، فإننا نتقدم كثيراً في مسألة التحليل والبناء والنقد والتفكير مما يجعلنا أكثر فائدةً وغنى وسروراً ومتعة ونحن في حديثنا اليومي لنراقب كيف أن الزمن يطل من كل جملةٍ ومقولةٍ نتحدّث بها ممّا يعني أنه يجب أن نعيد التفكير في بناء مشاريعنا وسلوكياتنا وانفعالاتنا لتصبح أقرب إلى الحقيقة والمدلول الإيجابي لهذا نستطيع أن نحكم على أيٍ كان من خلال حديثه وكلامه وتفكيره وسلوكه من خلال كيفية تعاطيه مع الزمن . . .
في قصّتي القصيرة /نقوش سوريالية . . على وجه القمر/ معالجة دقيقة وعميقة لفكرة الزمن في عدّة ظهورات له الواقعي من جهة والديني من جهة ثانية والتخيلي الوهمي من جهة ثالثة والأبدي من جهةٍ رابعة، وهذا التنوع في دراسة الزمن بمجموع أشكاله يحتاج إلى كثير من التوصيف والتدقيق ليصبح أقرب من الناس وليدخل في صلب تفكيرهم . . ففي موضوع الصراع القائم بين أنصار الشعر الكلاسيكي القديم وأنصار الشعر الحديث وقع بعض المثقفين في المصيدة حين هاجموا الشعر الحديث واتهموه بالغموض وعدم القرب من الجمهور ورأوا فيه السبب في افتعال الأزمات وعدم الإستقرار ومالوا في نظرتهم إلى الشعر القديم الكلاسيكي ووجدوا فيه ضالتهم من حيث الوضوح واستقرار الروح والنفس البشرية وحمَّلوه أكثر من طاقته . . . هؤلاء لم يدركوا سر الزمن في الشعر الحديث الزمن البانورامي المعقد والمتداخل والعظيم الذي يساير مرحلة التطور الإنساني، وتقدم الإنجازات الحضارية من علوم وطبّ وفيزياء وتكنولوجيا والإكتشافات المدهشة في علوم النفس والجمال والإجتماع واللغة وغيرها، فالشعر الكلاسيكي واضح لوضوح الزمن البسيط الخفيف والمفهوم كصحراء ممتدة على مدى النظر بينما تضيق مساحة الأدب الحديث من شعر وقصة ورواية وتنكمش لتبحر داخل النفس البشرية وتمتد في تضاعيفها باحثةً عن كنوزٍ مدهشة من الحب والألم والقوة والنضارة والإلتزام .  
 

الفئة: