كيلا نستفيق على وقع كارثة انتشار المخدرات يفرض علينا الانتقال من التوعية إلى المكافحة

العدد: 
9071
التاريخ: 
الثلاثاء, 13 آذار, 2018
الكاتب: 
هلال لالا

تعددت أشكال الحرب على سورية حتى طالت كل شيء بما فيها نشر المخدرات، فالمعروف أن سورية كانت من الدول النظيفة من المخدرات زراعة وصناعة وترويجاً، ولم تكن في يوم من الأيام بلداً مصدراً أو منتجاً لهذه الآفة، ولكن شياطين الحرب سعوا بكافة الطرق إلى نشر هذه الآفة، ولا سيما بين فئتي الشباب واليافعين، لأنهم الأكثر عرضة للوقوع في فخ الإدمان، وخير دليل على أن نشر المخدرات هو أحد أشكال الحرب تلك الوقائع التي تعلمتها الجهات المعنية عند ضبط هذه السموم التي تعددت مصادرها براً و بحراً وربما جواً، ففي اللاذقية تم الإعلان في الشهر الأول من هذا العام عن 2 كيلو غرام من الحشيش المخدر صادرها فرع مكافحة المخدرات باللاذقية، وفي العام الماضي ضبطت المديرية العامة للموانئ نحو 2000 كيلو غرام من المواد المخدرة موضوعة في حقائب طافية على مياه البحر قرب الشاطئ في منطقة البسيط، والأكيد أن هذا ليس كل شيء، وإنما عينة لتوثيق الموضوع، هذا وتم منذ أيام إلقاء القبض على أشخاص يقومون بتوزيع المخدرات لطلاب المدارس في اللاذقية.

نظراً لأهمية وضرورة نشر التوعية ضد المخدرات، فقد قامت مديرية الصحة في اللاذقية حملة توعية بدأتها مع بداية العام الدراسي الحالي، وركزت الحملة على فئة اليافعين والشباب كونهم الأكثر عرضة للإدمان كما أشرنا، وكونهم رجال المستقبل، ولابدّ من تحصينهم ضد هذه الآفة الخطيرة التي بدأت  بالامتداد أكثر من ذي قبل.
كابوس يؤرق الأهل
حيث يؤكد بعض الأهالي ممن عانوا مع أبنائهم جراء هذه الآفة أنه ثمّة أيدٍ خفية تعمل وبذكاء على نشر هذه المخدرات بين تلاميذ المدارس، واللافت حسب ما أوضحت السيدة أم أيهم انتشار تعاطي الحشيش بين هذه الفئة العمرية، ولفتت إلى أنه يتم بيعها بالسيجارة أو بالغرام، وقد تقدم عن طريق النرجيلة، وهناك أكشاك وزوايا ومقاهٍ تقدم هذه المادة للشباب واليافعين دون خوف أو وجل، وقد علمنا من بعض الأمهات اللواتي حضرن ندوة تثقيفية حول نشر الوعي ضد المخدرات أن سيجارة الحشيش تباع بمبلغ من السهل توفره لدى هذه الفئة العمرية وهو /500/ ليرة سورية، وأن الغرام من الحشيش يباع ب/1000/ ليرة سورية، وهنا لابدّ من الإشارة إلى أن المرات الأولى قد تكون مجاناً من خلال رفيق سوء أو مروج يهتم بتأمين شريحة مدمنة، تعمل أي شيء بعد الإدمان من أجل الحصول على المادة، وقد أشارت إحدى السيدات إلى ثقافة التضليل التي يتم بثها بين الشباب واليافعين من أن تعاطي الحشيش لا يسبب أو لا يؤدي إلى الإدمان، وإنما يقدم حالة من النشوة والسعادة والشعور المميز، الأمر الذي يغري الكثيرين إلى دخول هذه التجربة، وهنا لابد من التأكيد على مسلمات لابد منها، يأتي في مقدمتها تشديد الرقابة على محلات بيع وتقديم النرجيلة، لاسيما لفئة عمرية معينة، إضافة إلى أكشاك بيع القهوة والسجائر، ولاشك أن دور الأسرة هو الأساس لجهة الرقابة على أي تغيّر في سلوك أبنائهم أو بناتهم، وعدم إعطائهم مبالغ من المال تساعدهم على شراء مثل هذه المواد.
لاتتعاطفوا مع المتسولين الأطفال
 الدكتورة رباب شريتح رئيسة شعبة الطب النفسي في مديرية صحة اللاذقية، ومسؤولة حملة مكافحة المخدرات، أكدت على دور المرشدات النفسيات في المدارس، وضرورة تفعيله في الاستماع إلى الطلاب، ودراسة الحالات اللافتة منهم، ولفتت أيضاً إلى عدم التعاطف مع المتسولين في هذه الأعمار، لأن الطفل قد يعمل إلى جمع المبالغ الصغيرة حتى لو عن طريق التسول لشراء سيجارة الحشيش إن كان معتاداً أو بدأ بالإدمان عليها، ولعلّ النقطة المثيرة للشك والريبة هنا أن كل شيء ارتفع سعره في بلدنا خلال فترة الحرب ماعدا المخدرات أو الحشيش، وهنا لابد من التمييز بين مراحل الإدمان التي تبدأ بالتجربة وتشجيع من أصدقاء السوء، بعدها تأتي مرحلة التعاطي بغرض الاستمتاع، يليها الإدمان وهو الدخول بمرحلة المواظبة، وصولاً إلى الاحتراق، وهي مرحلة الذروة التي تتطلب العلاج المختلف، أو قد تؤدي إلى ارتكاب الجرائم أو الانتحار.
بين التعاطي والإدمان
حول أضرار الحشيش وتعاطيه وصولاً إلى حالة الإدمان تبيّن الدكتورة شريتح أن الحشيش هو نوع من أنواع المخدرات يتم استخراجه من أزهار القنب، وهو عبارة عن السائل المجفف من المادة الصمغية، ويعدّ من أكثر المخدرات انتشاراً لرخص ثمنه، وسهولة تعاطيه، فهو لا يحتاج إلى أدوات معقدة كالسرنكات والإبر وغيرها، وأوراق نبات القنب تحتوي مواد كيماوية هي رباعي هيدروكانابينول وكميات صغيرة تشبه الأتروبين تسبب جفاف الحلق، وهو مادة مسببة للهلوسة تسبب الإدمان وفقدان الإدراك بالوقت والمكان، فتمر الدقائق كأنها ساعات، والأماكن القريبة تبدو بعيدة، وهذا أحد أكبر أسباب الحوادث على الطرق ومع زيادة الجرعة يفقد الإحساس بالنشوة، ويستبدل بإحساس يتدرج من الحزن إلى الغضب، حتى جنون العظمة ونوبات الغضب الشديدة، ويؤدي إلى أمراض عقلية من تخيّل أشياء وهلوسات وفقدان تركيز وانتباه، والكميات الكبيرة منه تؤدي إلى تقلص وضمور الدماغ، كما يؤدي إلى أمراض نفسية تؤدي إلى الشك، ويضر أيضاً بالوصلات العصبية الموجودة في الدماغ، ويؤدي إلى الاكتئاب وزيادة خفقان القلب، كما يسبب أضراراً بالجهاز التنفسي يؤدي إلى سرطان الرئة والتهاب الشعب الهوائية، إضافة إلى أضرار بالجهاز الهضمي وضعف المناعة وهشاشة العظام وتلف في خلايا الجسم، وتحديداً الخلايا العصبية والتقلصات العضلية.
من جهة أخرى هناك أنواع كثيرة للإدمان على المخدرات قد يكون الحشيش أسهلها، وهنا نجد أنفسنا أمام الأدوية التي تستخدم لأغراض المعالجة النفسية حيث يصار إلى استخدامها بكميات كبيرة، وتنقسم المخدرات الخاضعة للرقابة الدولية إلى مشتقات الأفيون الطبيعية والاصطناعية وبديل الأفيون الاصطناعي والقنب وأوراق الكوك والمواد الباعثة للهذيان والمنبهات والمسكنات، ولا شك أن جزءاً كبيراً مما تمت الإشارة إليه موجود في الصيدليات، ويفترض ألا يتم بيعه إلّا بوصفة طبية، ولكن هناك بعض ضعاف النفوس ممن يتاجرون بهذه المواد التي يفترض أن تقدم العلاج لبعض الحالات، وهم في هذه الحالة يرتكبون جريمة حرمان المرضى منها، وجريمة بيعها بسعر زائد بهدف التعاطي، وعندما توجهنا بالسؤال إلى أحد الصيادلة أكد على وجود سجلات رسمية يتم الاطلاع عليها بشكل دوري من قبل الجهات المعنية توضح فيها اسم الدواء واسم الطبيب واسم المريض والحالة، والكلام إلى هنا يبدو سليماً، ولكن حسب إحدى السيدات أنها تحصل على حبوب الدرامادول وهي تحوي كمية من المواد المخدرة من إحدى الصيدليات بكل سهولة وبدون وصفة فأي تناقض هذا؟
حملات التوعية غير كافية  
وحسب الدكتورة شريتح رئيسة شعبة الطب النفسي فإن آفة الإدمان على المخدرات لم تعد حصرية بفئة أو شريحة معينة، وإنما أصبحت تطال مختلف الشرائح سواء المثقفة أو الجاهلة، من لديه سيولة أو حتى من يشكو الفقر وسوء الحال، ولفتت إلى أن حملات التوعية على أهميتها قد لا تكون كافية لإحداث تغيير فعلي في هذا الجانب الهام، ولابد من تضافر كافة الجهات ذات الصلة من هيئات تعليمية وجمعيات أهلية والجهات القضائية وغيرها، وهنا لابد من الإشارة إلى القرار الذي أصدرته وزارتا العدل والداخلية في سورية والقاضي بتشكيل لجنة لتعديل قانون مكافحة المخدرات كما أن سورية كانت من أولى الدول التي انضمت إلى الاتفاقيات الدولية المتعلقة بمكافحة المخدرات، والالتزام بما يفرضه التعاون المستمر مع الجهود الدولية والإقليمية عبر التنسيق وتبادل المعلومات، والمشاركة في جميع المؤتمرات والاجتماعات المتعلقة بالمخدرات.
وإذا ما دخلنا في تفاصيل النص القانوني السوري المتعلق بالمخدرات نجد أنه وحسب ما أفادنا المحامي عبد السلام حلبية فإن القانون السوري لم يورد تعريفاً للإدمان والمدمن، وهو ما يعني ترك الباب مفتوحاً لتحديد مفهوم الإدمان والموقف من خلال التعريف الطبي والاجتماعي، ولكنه أي المشروع أو القانون ميز بين التعاطي والإدمان من خلال تطبيق العقوبة، وبالتالي متى ثبت أن الشخص يتعاطى المخدرات فإنه يعاقب بالاعتقال المؤقت والغرامة، أما إذا كان المتعاطي مدمناً فتختلف العقوبة..
أي أنه مجرد حيازة المخدرات أو نقلها يعتبر جرماً يعاقب عليه القانون، وتختلف العقوبة إذا ما كانت الحيازة بهدف التعاطي والاستعمال الشخصي أو بقصد الإتجار، وقد تصل العقوبة إلى الأشغال الشاقة، وفي الوقت ذاته نظر المشرع السوري إلى المدمن نظرة إنسانية، واعتبره مريضاً وألزم الدولة بتقديم المساعدة له للتخلص من هذه الآفة، وأعفاه من المساءلة القانونية في حال تقدم هو شخصياً أو عن طريق ذويه إلى مراكز العلاج المجاني، وهنا لابدّ من التنويه إلى عدم وجود مركز علاج للإدمان في اللاذقية وإنما في دمشق، وقد أخبرنا أحد أقارب مدمن تم وضعه في مركز المعالجة بدمشق لمدة ستة أشهر استطاع خلالها التخلص تدريجياً مما كان عليه من تعاطي للهيرويين، ولكنه لم يخضع للعلاج برغبته، وما إن خرج من المركز حتى عاد إلى ما كان عليه وبنفس النسبة والكمية التي كان عليها قبل  دخول مركز العلاج، الأمر الذي أدى إلى وفاته بجرعة زائدة، لأن جسده كان قد تخلص تقريباً من الإدمان ومن التعود على كل هذه الكمية من المخدرات .
 

 

الفئة: