علَّمونا الحب

العدد: 
9071
التاريخ: 
الثلاثاء, 13 آذار, 2018
الكاتب: 
محمد صخر حيدر

 تارة هو الحنين. وأخرى هو الحب، وربما الشوق والاشتياق! هي مجموعة من الحالات، تمضي بها ذاكرتنا إلى الوراء.. إلى سنوات مضت، يمكن القول فيها: إنها كانت من أجمل أيامنا، بمعطيات تلك السنوات، وبمعطيات الزمن الحالي الذي نعيش فيه، مع كل ما فيه من ظروف.
 وبعد مضي تلك السنوات، صرت أعي مفهوم الحب. لكن ليس حباً بالمعنى التقليدي . هو حب تعلمناه من حيث لا ندري. حب انسكب علينا فحملنا عبقه ودفئه باستمرار، ليزهر في جوارحنا عاماً بعد آخر.
هي مدرستكم الإنسانية التربوية، يا معلمينا و يا مدرسينا. ما اكتفيتم بزرع المعارف والعلوم فينا. بل علمتمونا حباً لا يحتاج إلى دار علم، أو نظريات فلسفية. كان يكفينا احتضانكم إيانا، في مراحل العلم والتعلم كلها.
أنتم من علمنا العشق.. فلا يستغربن معلمو هذا الزمن من هذا الكلام!
 فكثيرة هي المظاهر التي نبدو عليها اليوم، جاءت منكم. وكنتم خير عونٍ لنا، من أجل أن نعيش الزمن بمعطياته وتقلباته ومستجداته، حتى في الملبس والمأكل.
 أقولها: إنني أحببت البزة الرسمية وربطة العنق من أناقة أساتذتي، واختيار الأحذية أيضاً.. حتى تصفيف الشعر، كم سعيت إلى تقليدهم بها! ولا تعجبوا إن قلت: كم تمنيت أن أحظى بأنامل مثل أناملكم، وهي تمسك الطباشير، وتجعل من السبورة لوحة، نتحسر عندما نمحو ما عليها.
 أتذكر اليوم، توجيهات أساتذتي في المراحل الإبتدائية والإعدادية والثانوية، أن يكون خطنا جميلاً، فأورثونا الخط الجميل، وكانوا يرددون علينا باستمرار، الخط الجميل عنوان الذوق.
 ما تقدم- وللأمانة - لم يبق منه إلا قليل. لكن لو عرف المعلمون الأثر الذي يزرعونه في نفوس طلابهم، لأدركوا أنهم قادرون على غرس أجمل القيم الإنسانية فيهم.
 وتحضرني حادثة بعد أن تخرجت في الجامعة... بعد خمس وعشرين سنة، وربما أكثر. كنت في دمشق، متجهاً إلى جسر الرئيس، فسمعت صوتاً يناديني باسمي. وبعد أن جمعت حواسي، تبين لي أنه صوت الدكتور جودت فضول، أستاذي في الجامعة، الذي لم ينسني بعد أكثر من عقدين ونصف من الزمن. حَيّاني وعانقني كأنني فلذة من كبده. وكان في عينيه احمرار، جعلني حيائي منه، أن أشيح بوجهي عنه، كي لا أحرجه!
 وسوف أكتفي بالقول- وهو مثل لا غير- إن الأستاذ الدكتور جودت فضول، أوفدته الجامعة إلى فرنسا، للحصول على شهادة الدكتوراه، فحصل على اثنتين. وكان يجيد اللغات العربية والفرنسية والإنكليزية، وذا خط جميل أنيق، باللغات الثلاث، فضلاً عن قدرته الفائقة في الرسوم الإيضاحية على السبورة، بالطباشير العادية وبالألوان، من دون استخدام طباشير البلاستيك، علماً بأنها كانت متوفرة في تلك الأيام.
 وفي شهر آذار كل عام ومعلمونا بخير!