(الكهربـــا تضــوي شــبابيك قـريتنــا)

العدد: 
9070
التاريخ: 
الاثنين, 12 آذار, 2018
الكاتب: 
حيدر نعيسة

ربما كان مفيداً أن يطّلع اللاحقون على أحوال السابقين، وما يعنيه ذلك من العلم والمعرفة بالأرض والإنسان والأيام، وربما كان الحديث عن دخول الكهرباء إلى قريتنا لأول مرة حديثاً طريفاً وممتعاً ودافعاً للأبناء كي يعرفوا قدر هذه النعمة ويحافظوا عليها من الهدر قدر الإمكان.
كنا صغاراً عندما وقعت أنظارنا لأول مرة على أعمدة الكهرباء والهاتف، وذلك على جانبي الطريق التي تصل بين مصيفي صلنفة وسلمى.. كان ذهولنا كبيراً، إذا لم نعتد أن نرى مثل هذا الخشب العاري الطويل الأملس إلاّ  في سقوف بيوتنا الخشبية الطينية الحجرية، وثمة أسلاك تصل بينها ليست لنشر الغسيل ولا لتعليق خيوط دخان البصما، إنها أسلاك عالية مختلفة تحط عليها الطيور البرية وتصدر أصواتاً أشبه بالأنثى عند هبوب الريح عليها، ولا شيء آخر..
لقد وصل فعل وأثر الكهرباء إلى لغة قريتنا قبل أن يصل إلى الإنسان والمكان، فقد تكهرب أحد أبنائها ومات بعيداً عن القرية، وهذا ما قرأناه على لوحة القبر/ مات شاباً من شريط الكهربا/.. كانت تلك أول قراءاتنا للفظة الكهرباء هنالك..
إنها الكهرباء إذن، سبب جديد للموت، يضاف لأكل الضبعة ولسع الأفعى والسقوط في الدوّار أو البركة أو من فوق السطح أو التقويس أو دهس السيارة، أو بسبب العلة التي لا دواء لها.
 آه ما أروع وأسطع تلك اللحظات التي كنا نرى فيها أضواء الكهرباء في مصيفي سلمى وصلنفة ليلاً حينما كنا نتسلق قمم الجبال القريبة منا والمطلة على المصيفين، إنها أضواء أخرى ليست شموساً ولا أقماراً ولا نجوماً، ليست (لوكسات) أو قناديل كاز ولا أعواد حطب مشتعلة، إنها الكهرباء..


 بعد حوالي نصف قرن من وصول الكهرباء إلى تلك القرى المحظوظة، وصلت إلى قريتنا التي لا تبعد عنهما سوى مسافة الحظ والواسطة، كان كل شيء خدمي لدينا متأخراً وكان هنالك لديهم مبكراً.
 وعندما مدّت شبكة الكهرباء توجس الكثيرون وتشاءموا من هذا الموت الغريب، إنها عزرائيل الأبيض، ملك موت يُميت ولا يُرى، قال بعضهم ( وصل السلك خرب الملك)، والسلك هو خط الكهرباء أو خط الهاتف.. تردد الكثيرون في إدخال الكهرباء إلى بيوتهم واستعمالها، ولف آخرون أيديهم بالمناشف وبقايا قماش وهم يكبسون أو يضغطون على أزرار الكهرباء خيفة الموت.
 في أواسط الثمانينات إذن دخل التلفزيون فدخلت قرانا عالماً آخر، وبالمثل تناقضت الآراء والمواقف تجاهه إلى حد وصف أحدهم التلفزيون بأنه الأعور الدجال لأنه يبدو كعين واحدة، وبأنه يخرّب الأجيال ويفسد عقول النساء والرجال.. وتطور الحال من التلفزيون الأبيض والأسود إلى الملون إلى الشاشة.
 كنت في الصف الأول الثانوي عندما رأيت التلفزيون لأول مرة عن قرب، لا زلت أذكر المصري وهو يقول بلهجة أهل الصعيد: كنتِ فين يا حسين فيرد الآخر: كنتِ بطنطة.. وكانت جارتنا أم إبراهيم تقسم بالله أن الممثلة المؤدبة تمد لها كازوزة السينالكو لتشربها، فتشكرها قائلة لها: الله يسترك ويفرحنا فيك، والله شربت شاي... كان عمر أم ابراهيم في الثمانين لكننا دخلنا معاً عالم التلفزيون والمسلسلات المصرية وعالم أول الكهرباء...!
 

 

الفئة: