ذرة غبار قد تعطّل حاسوباً و(برغي) صغير يحرف قطاراً عن مساره

العدد: 
9069
التاريخ: 
الأحد, 11 آذار, 2018
الكاتب: 
غانم محمد

تفاصيل صغيرة قد تؤسس لعملية تنمية أو تحدّ من الانزلاق إلى الفقر

لستَ بحاجة لأكثر من عينٍ فاحصة حتى تلامس وجعاً حقيقياً يعيشه شباب اليوم، ويغلقون مع تفاصيله كلّ نوافذ الأمل فيما يتعلق بحياتهم الخاصة، وبشكل أدقّ: الزواج وبيت الزوجية..

كلّ الحلول التي يمكن طرحها ستبقى قاصرةً، وصعبة التطبيق، مادام الوضع الاقتصادي العام على حاله، وما دامت الأسعار على جنونها.

سنفترض إننا استطعنا تأمين شقّة سكنية لكل شاب بلغ الخامسة والثلاثين من عمره، وسلّمنا جدلاً أنّ كلّ فرد لديه وظيفته الحكومية أو ما يعادلها، والتي يقترب راتبها من /40/ ألف ليرة سورية، وأخذنا بعين الاعتبار سقف الـ /500/ ألف ليرة الذي وضعته السورية للتجارة لتقسيط السلع المعمّرة، ومثلها على حساب والد هذا الشاب، وسنفترض أيضاً أن خطيبته دخلت على الخطّ، وقسّطت على راتبها لصالح بيت الزوجية /500/ ألف ليرة، ليصبح إجمالي قيمة ما يمكن شراؤه مليوناً ونصف المليون ليرة سورية، وسنسلّم أنّ هذا المبلغ كافٍ تماماً لتأمين مستلزمات البيت من أثاث وأدوات كهربائية ومطبخية، وسنتمسّك بآخر ( ريشة تفاؤل)، ونقول إنّ الأب تكفّل بدفع أقساط ما اشتراه لابنه حتى النهاية، ودخل العروسان معترك الحياة الزوجية براتبين ينقص كل راتب منهما 40% أقساط ما اشتروه من السورية للتجارة، أي أنّ ما سيبقى للعروسين من راتبيهما أقلّ من /50/ ألف ليرة، فهل يكفي هذا المبلغ لشخصين، إذا ما اعتبرنا أن الإنجاب مؤجّل أيضاً؟

شكراً لكلّ محاولة تخفيف من الأعباء، لكن ما نريد قوله هو إنّ كلّ هذه الإجراءات الإسعافية ستتراكم لتصبح مرضاً عضالاً..

لا شيء يعيد الحياة إلى ما كانت عليه إلا الإسراع بعملية إعادة البناء، لذا على الجميع أن يساهم بها، فهي ليست مسؤولية الدولة لوحدها، وكلّما أسرعنا بتفعيل مدخلات الإنتاج كلّما أسرعنا بالقبض على زمام الأمور من جديد.

أين يكمن دورنا كمواطنين في هذه العملية، وهل بإمكاننا فعلاً أن نقدّم أي دور؟

عندما نخفّض ما نشتريه من الخبز إلى حاجتنا الفعلية فقط، وتوفّر كلّ أسرة رغيفاً واحداً فقط، فإننا نساهم بتهيئة ظروف مناسبة لخدمة أفضل.. إذا كنّا في سورية ثلاثة ملايين أسرة، ووفّرنا ثلاثة ملايين رغيف كلّ يوم، بكلّ ما يكلّفه الرغيف الواحد من دقيق ونقل ويد عاملة وكهرباء، فيمكن أن ندرك أهمية توفير هذا الرغيف..

عندما توفّر كلّ أسرة لترَ ماء واحداً في اليوم، فإننا نوفّر /30/ ألف متر مكعب من ميثاه الشرب يومياً (ولا توجد أسرة إلا وتهدر يومياً 10 ليترات)، ولكم أن تقيسوا كلما زاد هذا الهدر..

وعندما لا تُصرَف أي حبّة دواء من أي مركز صحّي أو مشفى إلا لمن يحتاجها، ولا يملأ الطبيب حقيبته من صيدلية هذا المركز أو تلك المشفى إلا لحاجتها، وتخضع هذه العملية لرقابة صارمة، فإننا نوفّر المليارات أيضاً..

وعندما يبادر كلّ مواطن من تلقاء نفسه إلى دفع ما عليه من رسوم ريّ وكهرباء ورسوم مالية، ولا (يرشي الشرطي) بخمسمائة ليرة بدل أن يدفع مخالفته لخزينة الدولة، فإنه بإمكاننا أن نقول إننا بدأنا رحلة العودة إلى حياة كريمة..

نتحدث عن هذه التفاصيل لأنّ ذرة غبار قد تعطّل أحدث أجهزة الحاسوب، ولأن (برغيّاً) صغيراً قد يحرف قطار عن مساره..

علينا أن ننطلق من كلّ ما يمكن أن يشكّل قاعدة انطلاق حقيقية ومتينة نبني عليها فرحنا القادم.

على هذا المسار

ابنتي في الصفّ الرابع ( ما شاء الله)، لديها طاقم تدريسي كامل (يخزي العين)، الحياة صعبة، وبالكاد نتدبّر أمرنا..

كانت تتحدث (ولولا الحياء) لأسرجت دمعها، وأسرجتُ نخوتي، وأعطيتها (ألف ليرة) أحاول نسيانها لمجابهة أي طارئ..

سكتتْ برهةً، واشارت بيدها إلى حذاء طفلتها (أجلّكم الله): إنه بسبعة آلاف ليرة ( من وين بدنا نلحّق)!

ولأننا، نحن معشر الصحفيين، كثيرو غلبة، سألتها: هل تحتاج طفلةً في الصفّ الرابع إلى خمسة مدرسين يقبضون مجتمعين /75/ ألف ليرة في الشهر!؟

بالخلاصة وكما قالت هذه السيدة: كلّ الناس يتصرّفون هكذا، لقد أصبح الأمر مثل الموضة، وإذا لم نفعل ذلك نُتهم بالتخلّف وبالبخل!

ما اصعب أن يظلم المرء نفسه سيدتي الكريمة، أما أمرّ ما في هذا الموضوع فهو شكواكِ، ومن يستطع دفع /75/ ألف ليرة مقابل مهمة يمكنكِ القيام بها بسهولة لا يحقّ له أن يشكو!

 

ماذا لو؟

حسب تقرير صحفي قرأته منذ فترة، فإن هناك من يفكّر بالتخلّص من همّ السيارات الحكومية لتخفيف مصروفها خدمة لتوجهات التنمية القادمة، ومن الحلول المقترحة أن يُعطي أي مدير يستحق التخصّص بسيارة مقابلاً مادياً (بدل مواصلات) وعليه تدبير نفسه..

والاقتراح الثاني أن يتمّ تمليك السيارة لمن خُصص بها بطريقة معينة، ويمكن أن نضيف لهذا الاقتراح اقتراحاً موازياً يتمثّل بالطلب من شركة صناعة السيارات السورية أن تؤمن لهذا المدير سيارة بتقسيط مناسب إن لم تكن لديه سيارة..

بغض النظر عن كلّ الطروحات بخصوص السيارات الحكومية، فإنّ هذه السيارات تشكّل هدراً لا حدود له، وتستنزف أموالاً هائلة، ويمكننا طرح معادلة بسيطة في هذا الخصوص قد يقرأ مسؤول بالصدفة..

سنفترض أن كلّ سيارة مخصصة (ولا نعلم على وجه التحديد عدد هذه السيارات) تستهلك شهرياً حوالي /25/ ألف ليرة سورية بين وقود وبدل صيانة، وسنفترض أنّ كلّ المديرين ملتزمين بما هو قانوني من ناحية الإصلاح أو الوقود، إذاً لنصرف لكلّ مخصص سيارة هذا المبلغ ونريح رؤوسنا من التفتيش وإصدار القرارات والمتابعات..

سنوفّر في هذه الحالة ما ترتّبه عملية تجديد أسطول السيارات الحكومية ورسوم التأمين الإلزامي وإعادة تأهيل السيارات بعد انتهاء فترة تخصيصها مع تغيير هذا المدير أو ذاك..

وبالتوازي

ولأننا سنغلق نافذة هنا، علينا أن نفتح نافذة جديدة، يطلّ من خلالها الباحث عن سيارة، وبذات الوقت تهبّ منها نسمة مالية جديدة تنعش خزينة الدولة، ونعني هنا قروض السيارات، أو شراء السيارات عن طريق المصرف التجاري كما كان سائداً، ويمكن تحقيق الفائدة هنا في الاتجاهين..

من خلال متابعتنا لما تمّ تداوله من تصريحات مصرفية سابقة، فإنّ الرغبة موجودة لدى البنوك للعودة إلى القروض من أوسع أبوابها، ونعتقد أنّ المسألة ليست بحاجة لأكثر من قرار..

على كل الجبهات

الخميس الفائت، وتحت قبة مجلس الشعب (... طالب أعضاء مجلس الشعب بإيلاء مشاريع السياحة الشعبية والداخلية الاهتمام اللازم، ولا سيما الشواطئ وفي المنتزهات..)

السؤال: كيف سيكون لون هذا الدعم، وهل سيكو الدعم لأصحاب المشاريع السياحية أم لتمكين الناس من القيام بسياحتهم الداخلية، خاصة و (لا سيما الشواطئ وفي المنتزهات) على قاعدة (السياحة الشعبية والداخلية)..

عندما يكون عرنوس الذرة في موسمه بأقلّ من عشر ليرات بالنسبة للمنتج وبأكثر من /300/ للمستهلك من بائع على عربة فثمة خلل يجب الانتباه إليه، وسنحزن إن ذهبت أموال الدولة لدعم مشاريع سياحية لن يتمكّن من ارتيادها القسم الأكبر من الناس العاديين  فتكون الخسارة على الميلين..

بدأنا حديثنا بـ (رغيف واحد)، وطالبنا الأسرة بتوفير (ليتر ماء) أما خزينة الدولة فيمكنها توفير الكثير إن انتبه القائمون عليها إلى هذه التفاصيل، وبذات الوقت ستكون هذه التفاصيل محفّزة للناس اقتداءً بالدولة..

لن نقول إنه من الصعب علينا تصديق هذا الكلام، ولكن بإمكاننا إن شاء أحدكم أن نستعرض الكثير من أماكن الخلل والهدر، مع التأكيد أننا نثق ببداية مرحلة مختلفة..

ربما!

من حديقة صغيرة (حاكورة) بجانب بيتك، قد تستطيع تأمين احتياجاتك، وبالتالي تخرج من سرب (النقّاقين)، وعندما تنجح، شجّع جارك، وقد يفعل هو الشيء نفسه..

باختصار، عملية التنمية القادمة أو إعادة البناء قد تكملها دفقة واحد ربما تكون أنت باعثها، لذلك لا تستخفّ بأي شيء يمكنك فعله..

لستُ أكثر تفاؤلاً من أي شخص فيكم، فقط ختمتُ هذه المادة على وقع صوت ابن أختي يقول لي: الغوطة ستكون آمنة خلال أيام بإذن الله يا خال.. فقمتُ لتوّي، تأكدت من أنّ صنابير المياه لا تسرّب ولا نقطة ماء، وأطفأت مصباحاً في غرفة لا نجلس بها..

رحم الله شهداءنا، ومنَّ على جرحانا بالشفاء العاجل، وأعاد مخطوفينا بالسلامة، وشدّ عضد وهمّة جيشنا الباسل وأخذ بيده للنصر الكبير قريباً إن شاء الله، أنتم قطار الغد وما نحن إلا عربات تجرّنا بطولاتكم إلى ما يجب علينا القيام به.

الفئة: