كـــلام لآذان صـــــاغيــــة (1)

العدد: 
9069
التاريخ: 
الأحد, 11 آذار, 2018
الكاتب: 
نديم طالب نديم

 زرت صديقاً وهو من المهتمين بالتراث الأدبي، ومن جميل الصدف رأيت بضيافته شخصاً آخر يشاطره نفس الاهتمام، فما لي إلّا أن جلست مستمعاً كمن يحضر مناظرة على شاشة التلفاز، لكن المتناظرين لا يعنيهما توافق أقوالهما . 
 قال الصديق لضيفه: سأل أحمد بن حنبل حاتم الأصم كيف السبيل إلى السلامة من الناس؟ فأجاب: تعطيهم مالك ولا تأخذ من مالهم، ويؤذوك ولا تؤذيهم، وتقضي مصالحهم ولا تكلفهم بقضاء مصالحك فقال: إنها صعبة يا حاتم . فأجاب: وليتك تسلم .
 قال الضيف: طلب زاهد من خليفة أن يوليه، فقال الخليفة: إذا كان زهدك حقيقياً لا ينبغي أن نشوهه، وإذا كان رياءً ونفاقاً فلا يجوز أن نعيّن والياً منافقاً، وإن كان لا هذا ولا ذاك، قالت الفقهاء: طالب الولاية لا يولى، قال الصديق:
 لا همة لمن لا مروءة له، ولا حياء لمن لا دين  له، ورأس العقل معاشرة الناس بالجميل .
 قال الضيف: لا تمدحن إنساناً بالورع حتى تبتليه بالمال، ولا بالكرام حتى ترى مشاركته بالنكبات، ولا بالعلم حتى ترى كيف يحل مشكلات المسائل، ولا بحسن الخلق حتى تعاشره، ولا بالحلم حتى تغضبه ولا بالعقل حتى تجربه ولا  تثق بمودة إنسان حتى ترى موقفه منك أيام العسر.
 قال الصديق: العلم رأس التواضع وعينه البريئة من الحسد وأذنه ولسانه الصدق، ويده الرحمة، ورجله زيارة العلماء، وحكمته الورع، وماله الأدب وخبرته اجتناب الذنوب، وزاده المعروف ودليله الهدى ورفيقه الأخيار.
 قال الضيف: من ينتظر نجاحاً بدون جهد كمن ينتظر مطراً بدون سحاب، وأخيراً روى الصديق حكاية بعنوان 
(نزاهة قاضي) فقال: دخل شخص إلى القاضي فقال له: اسمع منّي، فردّ عليه للاستماع جلست، فقال: إني تزوجت امرأة، فقال: بالرفاه والبنين .
 قال: شرط أهلها ألّا أخرجها من بينهم، فقال: أوفِ لهم بالشرط، قال أريد الذهاب، قال الشرط أمَلُكَ .
 قال أريد الخروج، فقال بحفظ الله، قال: 
اقضِ بيننا، فقال: لقد قضيت قال: على من قضيت . قال على ابن أمك قال بشهادة من؟ فقال بشهادة ابن أخت خالك .
 وانتهى اللقاء بعد أن اتفقا على اللقاء ثانية .
وكان طلبي معرفة ساعة وتاريخ اللقاء القادم، فهكذا حديث يلزمه أذن صاغية لأنه حديث فيه الأدب والمعرفة والحكم والعلم .

 

الفئة: