جرحانا .. قامات لا تنحني أبداً ...

العدد: 
9067
التاريخ: 
الأربعاء, 7 آذار, 2018
الكاتب: 
سناء ديب

تتوقف اللغة عند حدود معينة، وتتحجم بحيث إنها لا تستطيع وصف حالات معينة في الحياة بما يليق بها، وينصفها. كأبطال رجالات الجيش العربي السوري. الذين هم دائماً فوق الوصف وخارج أي تأطير هؤلاء الذين يقاتلون لأجل حياة لا يملكون الوقت ليعيشوها. إنهم الهاربون، من زيف هذا الزمان، فكيف نمر أمام حكاياتهم دون أن نتوقف لقراءة تاريخ المجد الذي كتبوه وملاحم العزة التي سطروها؟!
وحكاية اليوم لبطل وقامة كبيرة من قامات جيشنا المغوار.


إنه الشهيد الحي البطل ماهر فائز ضرير، الذي أبهرنا بجمال روحه وخفة ظله وحلاوة ملقاه.. واصراره على التمسك بالحياة مهما صعبت وبالآمال مهما عظم تحقيقها. وبقدرته على تحويل الضعف إلى قوة، والحزن إلى فرح، وصفات أخرى كثيرة جعلت الحبيبة الحلم تتمسك به وتحارب الوجع والخيبات المتراكمة لأجله. فبطلنا عريس جديد بعد قصة حب تكللت بالزواج بعد نضال وصبر طويل من الطرفين.
وماهرنا كما حدثنا عن نفسه من مواليد عام 1990 من قرية السفرقية في القرداحة. أنهى دراسته الثانوية وتطوع بالجيش العربي السوري في العام 2008، خدم في مطار المزة. ثم كلف بمهمة بأول الحرب إلى محافظة درعا، حيث شارك فيها مع رفاقه بالدفاع عن وطنه ضد المجموعات الإرهابية التي عملت على تخريب وتقسيم سورية وأصيب في درعا البلد في بداية الشهر السابع من العام 2012 بقذيفة أدت إلى إصابة جسده بالكامل بالإضافة إلى ثلاث طلقات في رجليه. أطرافه وصدره وكتفيه، وعموده الفقري وتم نقله مباشرة إلى مشفى درعا ومنها إلى مشفى تشرين في دمشق. خضع ماهر إلى كثير من العمليات خلال فترة علاجه حتى أنه يقول عن نفسه مازحاً: أنا بطل العالم بإجراء العمليات الجراحية، وبعد مكوثه فترة طويلة بالمشافي العامة والخاصة وخروجه إلى البيت عاجزاً عن أية حركة، أصيب بالخشكريشا وعانى منها كثيراً وهي الأخرى لم يشف منها إلا بعد إجراء عملية لها. حتى إنه صرف كل مستحقاته ويزيد على علاجه. ومن ثم بدأت رحلة المعالجة الفيزيائية الصعبة. كانت في البداية على حسابه الشخصي إلى أن نصحه أحد الأطباء بضرورة اقتنائه لجهاز /AFO/ تثبيت، فقام بمراجعة جمعية البستان الخيرية والتي بدورها مشكورة قدمته له. ليعتمد على نفسه في العلاج والتدريب، إلى أن تم افتتاح مركز المعالجة الفيزيائية ضمن مركز الرعاية والأمومة بالقرداحة وكنت من أوائل المراجعين لهذا المركز.
والذي أعاد لي الأمل من جديد من خلال القائمين عليه وهما الدكتورة منى قنوع والمعالج الفيزيائي حسين هديوه، ويؤكد ماهر إن هذا المركز على بساطته خلق لديه الأمل بالعودة لممارسة حياته الطبيعية من جديد.
سرّح ماهر من خدمته بنسبة عجز بلغت 80% وتوقف راتبه بعد التسريح لمدة حوالي العام. ولكنه في النهاية أخذ كل مستحقاته.
حدثنا ماهر أيضاً عن المشروع الذي حاول تأسيسه ومول من قبل الأمانة السورية للتنمية وهو افتتاح محل للموبايلات. إلا أنّ ارتفاع أسعار الدولار في ذاك الوقت أفشل مشروعه الذي كان حلمه ليفتتح فيما بعد محلاً صغيراً مع والده أثرت عليه أيضاً نفس الظروف والضغوطات من غلاء الدولار، وعدم توفر المواد. مؤكداً أن راتبه ثلاثون ألفاً يدفع شهرياً نصفه تماماً ثمن أدوية، وكان يتمنى لو نجح مشروعه ليساعده في مقاومة ظروف الحياة الصعبة.
وأكد ماهر أنّ الحبّ كان دافعه الأول للقفز فوق الواقع المرير وتجاوز ما يمر به من أوجاع وضغوطات وظروف صعبة من كافة الإتجاهات إلى أن نجح بالنهاية وتكلل نجاحه بالزواج من حبيبة عمره الذي انتظرها وانتظرته طويلاً.
يحلم ماهر بالشفاء، وهو لن ييأس من تكرار كافة المحاولات لتحقيق الحلم بالإضافة إلى حلمه بأن يمتلك بيتاً خاصاً به يضمه مع زوجته فهو يسكن مع العائلة.
والزوجة الجميلة هبة محمود: تحدثت كثيراً عن صفات ماهر الجميلة التي يتميز بها دوناً عن كل من هم في عمره. وعن علاقة الحب التي كانت تربطهما قبل الإصابة مؤكدة أن ماهر أصيب قبل يوم الخطبة المحدد بيوم واحد وقالت إصراري وتمسكي ومحبتي لماهر جعلت الجميع يلغون اعتراضهم ويدعمون قرارنا، وها نحن معاً بعد معاناة طويلة أعمل على مساعدته وأحاول تدريبه كل يوم، فقد قطع لي وعداً بأنه سيكون أفضل وأملي بالله كثيراً بأن ماهر سيتحسن ويشفى ويعود إلى سابق عهده.
أما الخالة أم ماهر فتقول: عانيت الأمرين وأنا أم لأربعة شباب جميعهم بالجيش، وماهر القلب أصغرهم. كان قلبي كل يوم ينفطر عليه وعلى معاناته وطلبت كثيراً من الله أن أفديه بنفسي، وحاولت المستحيل لآراه يستعيد صحته، فأنا لا استطيع رؤية ابني يتعذب أمام عيني.
فقدمت له كل استطاعته، وها أنا الآن كما ترين حولت جزءاً من بيتي إلى مشروع صغير أعمل فيه في صناعة الألبان والأجبان حتى أساعد ماهر في تأمين علاجه ودوائه وكل متطلباته. وأشكر الله كثيراً إنه وصل لهذه المرحلة بعد رحلة طويلة من العلاج . وأشكره على وجود هبة زوجته الرائعة في حياتنا وفي حياة ماهر تحديداً فهي هبة حقيقية من الله لنا وله.
وإن كان لي من أمنية فأنا أحلم وأتمنى بأن يحصل ماهر على فرصة علاج خارج البلاد بعدما أخبرنا كثيرون بتطور الطب في الكثير من البلدان وإمكانية زراعة خلايا جزعية تعيد هؤلاء الجرحى إلى صحتهم وعافيتهم.
وتدعو بأن تعود سورية الأم الكبيرة لنا ولأبنائنا لسابق عهدها منصورة على كل يد امتدت لها ولأبنائها ولهؤلاء الشباب الذين كان يؤسسون لحياتهم ولكنهم أثروا الوطن على النفس.
ونحن بدورنا نبارك لهذا البطل الشجاع ولزوجته ونتمنى لهما كل الخير والحياة الرغيدة.

 

الفئة: