بـحــر الأبجــدية...وجباتُ الحـُبّ السـّريعة!

العدد: 
9052
التاريخ: 
الأربعاء, 14 شباط, 2018
الكاتب: 
د. رامز محمود محمد

لا أدري لماذا وكلّما دار الفلك دورتَه، واقتربَ ميعاد سقوط ورقةِ يوم الرابع عشر من شهر شباط (فبراير) منْ روزنامة الأيام والشّهور، أقول : لا أدري لماذا تُنعِشُ ذاكرةَ سماعي للموسيقا واللحن الجميل، أغنية ُكوكبِ الشرق السيدة أم كلثوم (حُبّ إيه اللي انتَ جايي تقول عليه) إلى شدوها المُدهش بالمقطع: (إنتَ ما بينك وبين الحُبّ دُنيا، دنيا ما طولها ولا حتى بخيالك!)
 وأعود لأردّدَ في نفسي: مرحى لدُهاةِ وسماسرة العصر، فلقد اخترعوا أخيراً (للحُبّ) وجبةً بل وجباتٍ سريعة، تلبّي نزقَ وغرورَ وغفلةَ الجماهير الغارقةِ في القشور . . وجبةٌ متعدّدةُ الأغراض والنوايا، عبارةٌ عن هديّةٍ حمراء بلون الدّم القاني، وبضعةِ (اكسسوارتٍ) تُلفُّ بورقٍ منَ السيلوفان اللمّاع، والملوّنِ بشتى القلوبِ المتعطشة لشهوة الجسد الجامحة الحمراء، والمغلّفة باسم طهارة الحب البريئة البيضاء!
لكنما الحُبُّ - كما تغنّي أم كلثوم يورِقُ ويُزهرُ ويُثمرُ في وادٍ آخر بعيدٍ عن كُلّ تلك الهواجس والهموم والأوهام - وهو الذي قلتُ عنه في كتابٍ لي قيد الطباعة بعنوان (مقامات العاشقين):
(بالحُبّ خلَق الله العالَم، وبثّ فيه أشعةَ محبّته، ثمّ دنا إلى مخلوقاته، وعلى رأسهم صورته الإنسان، فكان ودوداً، وبالحُبّ يدنو منه خلقُه فيغدون عيالَه المحبوبين لديه، وبقَدرِ ما يعكسون منْ نور حُبّه على باقي عياله يصبحون خواصّ أهل محبّته المُقرّبين لديه، والمغمورين في عين محبّته .
إنّ بذرةَ الحُبّ تلك مدفونةٌ في أعماق كلّ إنسانٍ، ولكنّ النّاسَ ليسوا سواسيةً في تعاهد تلك البذور بالمعرفة، والتّحمّل، والإيمان، كيما يشتدّ عودُها، وتزدهي بخُضرتها، وتتزيّنُ بزهرها، وتتباركُ بثمرها .
فكلّما توسعتْ دائرةُ معرفتنا، اتّسعَ فضاءُ محبّتنا .
 أمّا المعرفةُ فهي صُنو المحبة، وأمّا ديمومة الحُبّ فمرهونةٌ بالتّحمّل في مجاراة تجلّي محاسن مَنْ نُحب، وأمّا الإيمانُ بعدل المحبِّ فيمنحنا الثبات في اختباراتهِ القاسية حيناً، لكنِ المُطمئنة في كل الأحيان، وبما يجعلنا نقطفُ ثمارها اللذيذة في نهاية المطاف.)
فما أبعدَ الشّقةَ اليومَ بين ما تُحقنُ به قلوبُ وعقولُ الأجيال، ليزداد جهلَها وبالتالي اغترابها عن أنفسها وغاياتها الحقيقية الفعليّةِ من وراء وجودها في هذي الحياة، وبين ما ذخرتْ به سماءُ الشّرق الفياضة بالماء والنّور، وأرضُ الشّرق التي أنبتتْ وعلى مرّ الأزمان الأنبياء والأولياء والعباقرة والحكماء، الذين كانوا ولا يزالون مشاعلَ نورٍ تُهدي للإنسانيّة طريقها إلى الخلاص والفوز ببحبوحة الحُبّ المُكلّل بالنقاء والمعرفةِ والسلام للنّاس والأكوان والمخلوقاتِ أجمعين.  

 

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة