بين الشط والجبل...متهالكاً أمشي

العدد: 
9052
التاريخ: 
الأربعاء, 14 شباط, 2018
الكاتب: 
سيف الدين راعي

ها أنا أكتبُ إليكِ للمرَّة الأولى. فلقد كنت من قبلُ أتوجَّس خوفاً من سكْب مشاعري على ورقةٍ أبثُّها شغفي غير أنَّ سنيِّ المتقدِّمة
عبرتْ بي حاجز الخوف فراحتْ يدي تُسطِّر ماكنتُ عاجزاً عن نطقه ذات يومٍ مضى
*****
أمسِ . . . زرت المقهى البحريَّ وحيداً. ووحيداً جلستُ إلى الطاولة ذاتها، ورحتُ أتملىَّ البحرَ الممتدَّ امتداد المدى، أراقبُ مراكبَ الصيادين آتيةً ورائحةً على مدِّ الرؤيا . .
****  
كان البحرُ صافياً كصفاء عينيكِ، وزرقتُهُ زرقتَهما. وللحظةٍ اختلج قلبي في صدري وبدأ يرتجف كرجفات الموج على الشط. وجنَّح آمالي حلمٌ مضى فاستوحشت نفسي ورحتُ أرنو إلى شباك الصيادين الملأى بالأسماك وأصيخ السمعَ إلى رجْع حُدائهِم وهم يغنوّن» هيلا يا بحرية» وتطَّلعت فيما حولي فإذا العيون مُحدّقةً في العيون. كل عاشقين يتناجيان . . . يتهامسان وكفّاهما متشابكان.
****   
قلتُ لا بأس . . هو عيدُ الحبّ. وغبطتُ كلَّ من كان متواجداً مردِّداً في نفسي:
مباركٌ ما أنتم فيه. وأعدتُ نظري إلى البحر مدركاً أنّ من كان أمسِ حاضراً هنا أضحى في الغياب . . فها أنا أجلس على كرسيِّ وحدي وأمامي فنجان قهوةٍ واحدٍ يندب أخاه..
وتواردتِ الذكريات كتوارد الأحلام في أجفان الشعراء. فرفَّتْ كالومضةِ صورتُكِ
التي أشرقتْ من بين موجتينْ وطلْعتِ حوريَّةً تظلِّلها غمامةٌ بيضاء.
فنهضتُ نصف واقف ورحت أدعك عينيَّ جيداً أحلمٌ ما أراه أم حقيقة؟
لأدرك بعد ثوانٍ كم هي الأحلام جميلةً؟
****    
أكتب إليك. ولستُ أدري كيف استحضرتْكِ الذكريات؟ وكيف وضعتْكِ أمام خيالي؟
أدرك تماماً أن أيَّامي –مُذْ غبْتِ- أضحتْ كسيحةً. يضجّ في لَهَوَاتها العوسج وينبت في جهم قفارها الصبّار. ولم يعدْ لي إلا ترقُبُ الأمل. وأي أملِ ذاك الذي بقي؟
ولكم قلتْ: عابرٌ أنتَ ياغيم القهر. ولكمٌ بلَّلْتُ أوراقي من جفون ما طرأت وأنا أموِّج أكمام الحروف وألمُّ ارتعاشات الورود لأخطّ إليكِ ما كنت أودُّ قول ما لم أقلْهُ.
*****   
ها أنا وحْدي . . أسكب أدمعي على أنغام» فيروز» وهي تصدح بأغنيتها «من عزِّ النوم»
وأحدّث نفسي فلربما طلعْتِ من بين خفقات القلوب قرنفلةً أسكرها الحسنُ. تتموّجين كرفيق الأحلام. فأنهض لأقدّم الكرسي المرتقب جلوسك. ولكن تبقى هي الأحلام ولا بأس ببعض الحلم
****
جلتُ بنظري في الجميع. وغبطتُ الجميع ورددتُ ثانيةً: مباركٌ ما أنتم فيه . .
وخرجتُ من الباب كما دخلت وحيداً وقد توهجتِ القصيدة فقلت.
متهالكاً أمشي . . ويقتلني الصدى . . فأعوذ بالصبر المكبلَّ بالردى،
وصريرُ هذا العمر يصرخ شاكياً: «لا تندهي ما في حدا»
كلُّ الذين أحبهم راحوا . . وصاروا كالصدى