بـحــر الأبجــدية....(بداية) رجل شجاع

العدد: 
9051
التاريخ: 
الثلاثاء, 13 شباط, 2018
الكاتب: 
جورج ابراهيم شويط

النجوم (الآن) تنام على سرير البحر.. الحورُ والصفصاف هناك، واللبلاب يعرّش على جدران خيالاتك.. هيكلك الذي كان بالأمس سنديانة فتية، تتمدد معه (الآن) على السرير، وحول السرير أولادٌ وأحفادٌ ، وعلى النافذة يطل قاسيون، وجهاً لوجه، وجبلاً لجبل..
جسدك المعمد بماءِ البحر المالح و (بالعرق) و(العرق) وبالشمس الحارقة، يتكئ (الآن) على تقاويمَ وروزناماتٍ، صارت بقامة رجل بحار..غاصَ في (المستنقع)، ثم نهض في ساعة تجلي، قامة من حبر ورذاذٍ وقلق، قامة من ضوء وألق..
ماذا تدوّنُ أناملك (الآن)، أيها الحالم الحالم حتى النخاع، بزمن آخر،و بعنوان عريض خصّه الله للشام: ( وطن حرّ و شعب سعيد)؟ ..
(الشراع والعاصفة) والريح والمطر يكتبون حكاية المدينة على السطوح المثقوبة والجدران المشقوقة والزواريب التي يبحرُ فيها الطوفان..
وأنت تجلس وحيداً في بيت ابنتك الدمشقي، في شارع بغداد،، تعيش ألم العزلة/ أو اللاعزلة، بعد أن ضجت الدنيا برواياتك وشخصياتك وقبضاياتك وبالصيادين وببائعات اللذة، كل هؤلاء وغيرهم من أبناء مدينة البحر والقهر والفقر يتصارعون، في ذلك (المرفأ البعيد)، في شتاءاتٍ وشتاءاتٍ، تشرق فيها (الشمس في يوم غائم)، كل الوجوه التي عبرتك وعبرتها في لمحةِ قلم، هاهي (الآن)، مازالت تغني للبحر(يا محلى الفسحة ياعيني، على  موج البحر، والقمر منوّر ياعيني على مووج الحر..) أبطالك وشخصياتك التي جعلتها من لحم ودم ودموع،مازالت تصارع الموج، تزاول أعمالها وتقتات أحلامها، مع رغيف الخبز، كلها، فرادى وجماعات، تتوزع في كل المقاهي البائسة، تنتظر أناملكَ، كي تحركها من جديد، على مسرح (الورق)..
وهاهي (المصابيح الزرق) تنيرُ الأزقة والشوارع العريضة، تنير السفنَ الراسية، والسفنَ المنطلقة، نحو أفق، يمتد إلى الخيوط الأخيرة من الشفق الأخير..
لماذا ( الثلج يأتي من النافذة)، وأنتَ هناك، تبحث عن وجهِ ابنتك، التي تشبث في جسدها ضبابُ الموت، وأنشبَ الخبيث أظافرَهُ في جسدِها النحيل، إنها الآن ( حمامة بيضاء في السحب)، وحمامة الذكرى/ الوجع، مازالت تحط على كتفك المكسورة..
(شبعتُ من الدنيا) ، لكن هل هي حقيقة أم طرفة بيضاء حين ادعيتَ: ( كنتُ سعيداً جداً في حياتي)؟؟ هل يصدقك الكرسي الذي جلست عليه، في المقهى المجاور للمرفأ، لألفِ زمن وزمن، ولألف ليلة وليلة؟.. هل كنتَ تنتظر بجوار الصيادين وحيتان المرفأ (نهاية رجل شجاع)؟
الحلاق والحمّال والبحار على السفن والمراكب، مصلح الدراجات، مربّي الأطفال في بيت سيد غني، عامل صيدلية، وصحفي، وكاتب مسلسلات للإذاعة، وموظف حكومي، ثم الروائي الذي كتبَ البحرَ في كل الفصول. كل هؤلاء كنتهم، فماذا بقي في معجمك اللغوي الأزرق؟، ماذا بقي في أبجديةِ البحر من كلمات، لتقولها وتقولك، وقد بللتها موجة من هنا ورذاذ عاصفةٍ هوجاء من هناك؟
أهلك الفينيقيون وأهل الشام وأهل (اللواء) لماذا صدمتَ محبتهم (بوصيتك) المبكرة، وبكل ما جاء فيها؟
مابين البدايات وما بين النهايات، ثمة مرايا وظلال، ثمة (شراع وعاصفة) وثمة غيمٌ ومطر وعشبٌ بحري، و(ألفية عرق) و (حضن امرأة لعوب) وخيال صاعد صاعد، نحو أفق من إبداع أزرق كنته، ومازلت، أيها البحار العتيق.
حنا مينة: لك العمر المديد، ننتظر منك المزيدَ، المزيدَ، المزيد، ما دام البحرُ يسري في شرايينك، حتى الهزيع الأخير من (عمرك/ الحكاية والقصة المشوّقة والرواية، بما فيها من بدايةٍ ونهاية). فلتكن عكس الريح، وعكس التيار، ولتكتب أناملك، التي لؤلؤ ومرجان، (بداية رجل شجاع).