مهرجان الشعر المحكي الأول

العدد: 
9049
التاريخ: 
الأحد, 11 شباط, 2018
الكاتب: 
سلمى حلوم

ظلّتْ العلاقة ما بين الصورة الملقاه على عاتق الحياة المتداولة وما بين لسانها عبر السنين مثار جدل لخلق مكامن المعرفة وإغنائها في محاولة حثيثة لفهم الكون وأبعاده وتفاصيله التي تومض في بقعة هنا وتاريخ هناك، هذه العلاقة الحثيثة الوطيدة ما بين الصورة ولسانها أثمرت دائماً ما يطلق عليه اللغة الناطقة للتعبير عما يجول من مدركات عامة وشخصية بمختلف المجالات في محاولة دؤوبة للاستيعاب والفهم والإدراك والتحليل المنطقي، فكانت هذه اللغة لسان حال شعوبها وهويتها ووسيلة الاتصال الفطري العفوي والمبرمج بشكل تركيبي وتحليلي يعكس دائماً حالة المتغيرات الطارئة التي تمر على البشرية في أزمانها والذي يصبغ معه تغيرات بنيوية معقدة أساسها لغة التواصل وجسرها الأهم، تطبع معها ملامح واضحة للإنسان في مرحلة تاريخية معينة 
الأرض العربية كان لها نصيبها حين تعرّضتْ لحركة بشرية معقدة و لجدل تاريخي أثّرَ تأثيراً كبيراً على هذه المنطقة التي تزخر بحضارة عريقة ما تزال خطوطها شاهدة إلى يومنا هذا وكان للغتها العربية حضورها الفاعل في الوجدان عبر العصور تجلّتْ فيما وصل إليه العرب عبر أزمانها وإن خفَّ وهجها وزاد انعزالها في العصر الحاضر لكنها بقيت من اللغات العالمية الست والرسمية المعترف بها في العالم .  
الشعر العربي كان نبض الحال عبر ما مرّ من عصور، حلّق في أبعاده المختلفة عندما كان زهو الحضارة في أوجها، وضع أسسه وقواعده أبو خليل الفراهيدي عندما نظّمَ الأوزان والبحور الشعرية المتعددة ضمن قوالب وموازين أدبية رسمت شكل القصيدة وهويتها، لكن الشعر حال صاحبه خضع للتجاذبات الإنسانية المتغيرة عبر تتابع الحقب وتعرضت مواضيع العروض وبحور الشعر إلى سجالات شتى نتيجة للانزياحات العديدة التي تعرضت لها هذه الأمة بتأثير التمدد العربي أو نتيجة للاستعمار وعوامل الهجرة والعوامل الدينية والسياسية والثقافية والاجتماعية المختلفة التي لوّنتْ معها لغة اللسان وساد ما يعرف باللهجات، صبغت حال مجتمعاتها فتعددت اللهجات بتعدد التأثيرات القوية التي ما زالت إلى يومنا هذا .
الشعر المحكي أو الشعر العاميّ فعل طبيعي نتيجة هذه التغيرات المختلفة بما فيها الديمغرافية. ارتبط بتطور اللهجات المحلية التي سادت المنطقة فتغير معها تركيبة وأوزان الشعر بعد دخول العرب إلى بلاد فارس والأندلس حيث انتشرت الرباعيات والموشحات وغيرها  وكان أول ديوان للشعر الزجلي لابن قزمان الذي توفي عام 1670م وظل الشعر المحكي يحمل ملامح وأبعاد الأرض والزمن الذي يتبع له فكان  نتيجة تلقائية فأهملت بعض الأوزان التي لا تتلائم مع اللهجات المحكية وزيدت أوزان أخرى كانت تستخدم في اللغات المحلية غير العربية، ولحق شعر العامية تطور اللغة أو انحدارها، وظل يوصف بالبساطة والمرونة وقدرته على التعبير في شتى المواضيع لأنه الشّعر العاميّ الشّعر الشعبيّ المَحكيّ أو المَكتوب بغير اللّغة العربيّة الفصيحة، وإنّما بِلُغة النّاس العاميّة المُتداوَلة بينهم، مثل الشّعر النبطيّ، والزَّجَل، والمَوَّال، والشّعر الشعبيّ يحمل اللغة المحكية ويأخذ أشكالاً متعددة يشابه الشعر العادي من حيث الموضوع حيث يأخذ الشكل نفسه من الشعر المسرحي والملحمي والغنائي والقصصي، ومن حيث أغراضه ومضمونه في الغزل والوصف والمدح والرثاء والهجاء والحكمة والاعتذار والفخر ومواضيع الحياة العامة، عارضه كثيرون حيث اعتبروا الشعر المنطوق باللغة العامية خطر على القومية العربية ويهدد باضمحلالها،، ويضر باللغة العربية الجامعة لكل العرب عندما يكرس القطرية والغوص في خصوصية الشعب في منطقة ما، كما البعد عن الأوزان الشعرية المتعددة حيث يحمّل الشعر المحكي أغلبه على البحر البسيط، إضافة إلى ما هنالك من أسباب جعلت هذا الجدل بين قبول ورفض للشعر المحكي إلا أنه بقي عبر الزمن يلازم الإنسان في ترحاله اليومي إلى الحياة ويروي حال أمة في أفراحها وأتراحها، يرجعه بعض التاريخيين إلى بدايات الحضارة باعتبار ملحمة جلجامش عام 2700 قبل الميلاد هي أول أثر للشعر المحكي تلتها مزامير داوود, ومخطوطات أفرام السرياني، وتقاريض يوحنا الدمشقي ، وفي الحضارة العربية اعتبرت قبيلة بني هلال هي مرجع الشعر المحكي أو النبطي حيث يعود تاريخ الشعر المحكي إليها كما يقول بعض المؤرخين، وكما في العصر الحديث حيث قال فيه الكثير من الأدباء والشعراء و قد يستغرب الكثيرون عندما يعلمون أن البيتين الشهيرين من الأغنية التراثية الشائعة في بلاد الشام (هيهات يا ام الزلف) هما للأديب والشاعر جبران خليل جبران كما هناك الكثير من الأسماء العربية في وقتنا الراهن في سوريا أمثال  (عيسى أيوب، حسين حمزة وعمر الفرا)  وفي لبنان (سعيد عقل وميشيل طراد وجوزيف حرب وطلال حيدر وعصام العبد الله ومارون كرم، وفي مصر (أحمد شوقي حيث كتب بعض القصائد باللغة المحكية، بيرم التونسي وصلاح جاهين والشيخ إمام، أحمد فؤاد نجم، وفي فلسطين نوح إبراهيم، وفي الدول العربية كافة التي كانت غنية بهذا النوع الأدبي وشعرائه  حيث كانت لاتكاد تخلو مناسبة اجتماعية، فرحاً كانت أو حزناً من الشعر المحكي بأشكاله الإلقائية أو المغنّاة، حتى كانت الأفراح والأعراس، أو المآتم ومجالس العزاء منابر لشعراء المحكي يجودون فيها بما ملأت قريحتهم الشعرية حفظاً أو مروياً .
في خضم الحضور الشعري في سورية، وفي هذه الأوقات العصيبة، وحيث تمتلئ الساحات بالأصوات الصادحة لبلدنا ولكل ما يمر بها، أقام ملتقى القرداحة الثقافي في المركز العربي ببانياس مهرجان الشعر المحكي والزجل الأول لنخبة من الشعراء في سوريا ولبنان وعلى مدى يومين  في 4 و5 من شهر شباط الحالي فعلى مدى يومين أقام ملتقى القرداحة الثقافي مهرجان الشعر المحكي الأول  في المركز الثقافي في بانياس افتتح الفعالية الأستاذ عمار إبراهيم مرهج مدير الملتقى والأستاذ خالد فهد حيدر مدير المركز  بكلمتين ترحيبيتين بالمشاركين ومن ثم كان الحضور مع قراءة للشيخ أحمد بلال عن تاريخ ونشأة الشعر المحكي والزجل في سورية ولبنان عموماً وفي الساحل السوري خصوصاً وأكد الشيخ أحمد عن عمق وقدم الشعر المحكي في المنطقة ثم تناوب الشعراء المشاركين القادمين من أغلب المحافظات السورية وبلهجاتهم المختلفة تناوبوا على إلقاء قصائدهم  المحكية التي عبروا فيهم عن مدى محبتهم لأرضهم وتاريخهم وتمسكهم بكل ذرة تراب سورية كما عبروا في قصائدهم عن مدى ملامسة الشعر المحكي للحالة الوجدانية للإنسان السوري وعاداته وتقاليده  بالإضافة لعدد من المقطوعات الزجلية الغنائية كان منهم (حسان بسطاطي و د. وسيم تفاحة و د. أسامة ميهوب، الفراتي خالد الفرج، يزن رستم، طلال عمار، علي حسن، وسيم سلوم، نادر العجي، ثائر محفوض، منهل غانم)  كما كان للمرأة حضورها في هذه الفعالية فقدمت الشاعرات  (لمى القيم، راميا بدور، لينا غذالة، الفراتية صبا بعاج، ميساء يوسف، علا عبد الله، جينا القحط) العديد من القصائد في الشعر المحكي .
في هذا العدد سيكون لنا وقفة مع هذا المهرجان وبعض من قصائد شعرائه، وسنتابع في أعداد لاحقة هذا النوع الأدبي الذي لامس أرضننا ووجداننا عبر التاريخ . 
 

 

الفئة: 

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة