السعادة اكتشاف متأخـّر

العدد: 
9049
التاريخ: 
الأحد, 11 شباط, 2018
الكاتب: 
د. هلا احمد علي

يقال أن السعادة كالقبعة تراها فقط حين تخلعها عن رأسك، فالسعادة اكتشاف متأخر لا يمكنك إدراكها إلا بعد فوات الأوان. على عكس الحزن الذي لا يتأخر المرء في اكتشافه أبداً فهو يحياه لحظة بلحظة في أوانه تماما. وأقول أن النعم هي أحجار كريمة تتوسط قلادة معلقة على صدرنا لا يمكن أن نراها بسهولة. لكن هنا أتوقف قليلاً لأقول ليس بالضرورة أن نخلعها كي نراها وإنما يمكن أن ننظر في المرآة سنراها جيداً. والمرآة التي تمكننا من رؤية النعم وبالتالي السعادة هي الصدق والحقيقة. فحين نكون صادقين مع أنفسنا لا يمكن أن نخطئ تقييم ما لدينا وما ليس لدينا بعد ولا يمكن أن نبخس ذواتنا قدرها. والصدق يأتي من الواقع في حين أن الأوهام المرسومة في الذهن لا يكون مصدرها الواقع وإنما الخيال. ومن هنا يمكننا الحديث عن النسبية في الأمر، فما يحقق لي سعادة ربما لا يجلب لآخرين أية سعادة وما لا أنتبه إلى وجوده في حياتي ربما يكون مصدر سعادة عارمة عند آخرين. والمعيار هو الحرمان. العديد من الأمور التي تبدو اعتيادية وغير لافتة وغير ثمينة في الأوقات العادية لكنها تصبح في لحظات الفقد والحرمان والمصائب أموراً قيّمة جداً وثمينة وفي بعض الأحيان قد تتحول إلى حلم. الأشياء الموجودة حولنا والتي لا ننتبه لها، يخنقنا فقدها كما يفعل نقص الأوكسجين بنا. فنحن نتنفس الأوكسجين الذي لا نراه كل ثانية لكننا لا ننتبه إلى وجوده ولا نفكر في ذلك أصلاً لكن غيابه يؤدي بنا إلى الاختناق وبالتالي ينبهنا إلى أهمية وجوده الذي يعني الحياة.
يقول أفلاطون: «ابتعد عن الحقيقة كي تراها، فالحواس تخدع»
فالمراقب القريب من المشهد لا يمكنه أن يصدر حكماً موضوعياً صادقاً عما يعيشه لأنه يكون منغمساً في تفاصيل هذا المشهد بسلبياتها وإيجابياتها لكنه حين يبتعد يراه بشكل أفضل. فالرسام حين ينهي لوحته يبتعد عنها ليراها على نحو جيد من بعيد. والمغترب يرى بلاده بشكل أدق وأكثر وضوحاً مما لو كان بقي فيها. والأولاد لا يدركون القيمة الحقيقية لأهلهم إلا بعد أن يبتعدوا عنهم في سفر أو زواج لأنهم أصبحوا خارج المشهد مراقبين خارجيين. 
ولابد للإنسان من أن يدرب نفسه على تقييم اللحظة الحاضرة بكل مكوناتها ومحتوياتها وعناصرها، لأن الناس عادة مغيبون إما في ماضٍ سحيق يبكون على أطلاله عمرهم كلّه، أو مشدودون إلى غدٍ لما يأت بعد وهذا يرهقهم وينهك قواهم بسبب الانتظار والترقب. ويقول علم النفس أن الذاكرة تميل إلى الاحتفاظ بالخبرات السارّة ونبذ الخبرات الأليمة، لذلك تجد الغالبية تتغني بماضٍ أجمل باعتقادهم، والحقيقة هي أن الماضي جميل لأنه مضى فقط. ولابد من رؤية العناصر الموجودة في الحاضر والواقع وهذا ما يعود بنا إلى النقطة التي تناولناها أولاً وهي الصدق مع النفس قبل المحيط.
فاليوم هو أمس الغد فلماذا لا نحيا عناصره الجميلة قبل فوات الأوان!. ولماذا لا نفرح بما بين أيدينا الآن؟! ولماذا لا نخبر هؤلاء الذين نحبهم بأننا نحبهم قبل أن يفارقوا الحياة ويأكلنا الندم؟!
وهنا يحضرني بإلحاح قول الشاعر:
 ربّ يوم بكيــــــــــت منه فلما     صرت في غيره بكيـــــــت عليه
فطوبى لمن يسعد بما يملكه اليوم، ويأمل إنجاز ما هو أجمل منه في الغد، هكذا فقط يمكن للإنسان أن يحقق توازنا مطلوباً في الحياة التي تتطلب الكثير من الجهد المتوازن للاستمرار والعطاء.