عنــــــدما تزول النـّــــــعم

العدد: 
9049
التاريخ: 
الأحد, 11 شباط, 2018
الكاتب: 
شروق ديب ضاهر

أم فصادة حشرة نحيلة لها أربع أرجلٍ طوال تنام على ظهرها رافعةً أرجلها الأربع وحين سُئلت عن عادتها العجيبة في النوم أجابت بأنها تحمل السماء بأرجلها خشية أن تقع على الأرض، ينظر الناس إلى تلك الحكاية على أنها تجسد حالة الغرور عند من لا يملك أدنى صفات العزم والمعالي لكنني ارتأيت أن أنظر إلى إجابة أم فصادة من زاويةٍ أخرى، هذه الحشرة ترى أنها خُصَّت بنعمة طول الأرجل وأرادت أن تتمتع بخصائص هذه النعمة ولو بالغت في أهميتها فتجعل من طول أرجلها الذي عابته عليها بقية الحشرات نعمةً يتحسرن على فقدانها.
هذه الحشرة رضيت بنعمتها وحمدتها وعاشت فرحةً بميزاتها بل وبالغت إلى حد الحماقة في تهويل أهميتها بينما يتأفف الكثيرون في معشر البشر من نعمٍ لا يشعرون بقيمتها إلا عند زوالها. تمخّض من وحي الفكرة السؤال الآتي: هل عشت نعمةً لم تنتبه إلى وجودها؟ فتنوعت الإجابات كالتالي:

السيدة لمى: سأعيش نعمة تأسيس العائلة بكل أبعادها
السيدة لمى أم لثلاثة أطفال في العقد الرابع من عمرها أجابت:  عقد قراني وأنا في الثلاثين من عمري، هدرت قبلها ثماني سنوات أبحث فيها عن الفارس الهمام وحصانه الأبيض، أذكر أن كل توجهاتي باتت نحو الأماكن المكتظة بالشباب المقبلين على الزواج من مقاه إلى نواد إلى حفلات تعارف، حتى أني لم أترك مركزاً لتعليم السياقة في البلد إلا وتعلّمت فيه مع أنني أضع شوماخر في جيبي الصغير ليقيني أن من يتعلّم السياقة مما لا شك فيه سيبتاع سيارة خاصة يعني أن أوضاعه المادية تؤهله للزواج ( كيفك فيا)، التحقت بدورات تعليم اللغة الألمانية أربع مرات كمحاولة مني لاصطياد طبيب مقبل على تكملة مسيرته التعليمية في أوروبا، وفي نهاية المطاف تزوجت ابن جارتنا الذي كان يقاسمني رسم كل الخطط للإيقاع بعريس في شرك الحياة الزوجية... ذكرت كل تلك التفاصيل لأبين لك نعمة كلمة عزباء، نعمة أن تعرفي أن حياتك بأدق تفاصيلها هي ملك لك، تستطيعين أن تستمتعي بها وتفخري بإنجازاتك الشخصية لتمشي مشية واثق الخطى، فالوقت ملكك تستطيعين ملأه بكل ما تمني به نفسك سواء بإكمال دراستك أو الارتقاء بمواهبك أو ممارسة رياضتك المفضلة وحتى قراءة كتبك المفضلة في أي وقت تريدين، طبعاً لست أتمنى لو بقيت عزباء لكنني أقصد أن مرحلة العزوبية التي كانت تؤرق مضجعي فعشتها مُتعَبَةً ومتْعِبةً كانت نعمةً لم أفطن إلى أهميتها إلا بعد تحقيق هدفي المنشود ودخولي القفص الذهبي المترعِ بالمسؤوليات والأعباء ، لكنني عاهدت نفسي ألا أقع في نفس الفخ مرتين وأن أعيش نعمة الزواج والأمومة وتأسيس العائلة بكل أبعادها ووسعها مهمها وسوست لي نفسي بضيقها. ولدى سؤالي إياها لو عاد الزمن ما الذي ستقومين بتغييره؟ أجابتني: ما كنت أضعت وقتي وتفكيري في تفاصيل لا تغني ولا تسمن، كنت اقتنعت بخبرة الأوائل المعتمدة على القسمة والنصيب ووجهت تركيزي في إتمام دراسة الماجستير أو أتقنت أفانين اللغة الألمانية على أقل تقدير.

سيرين . ص: رحلت من كانت تستمع إلى كل عواصفي وشتاءاتي
سيرين . ص/ مهندسة معمارية قالت:  هل سبق لك وأن ابتليت بجارة كسبتِ الرهان معها عشرات المرات على أن تلزم الصمت لمدة عشر دقائق متواصلة فقط؟ كذلك كانت جارتي، لا أذكر أنني ولمدة تسع سنوات لم أتضرع فيها يوماً للله حتى يخلّصني من جيرتها، شكّلت عليّ عبئاً ثقيلاً بتدخلها فيما لا يعنيها وملاحقة أخباري والتعرّف على الوسط الذي أعيش فيه، ولعب دور البومة الحكيمة ذات النظارة المستديرة كلما أخطأت وطلبت استشارتها في أمر ما، كانت فرحتي لا تباع عندما أعلمتني أن زوجها عرض المنزل للبيع حتى أنني بكيت من شدّة الفرح، عانقتني وقبّلتني ظناً منها أني أبكي فراقها، فكنت أول المبادرات في توضيب أغراض منزلها تمهيداً للرحيل.... رحلت جارتي ورحلت معها صباحات القهوة ومساءات النرجيلة، ورحل معها طبيبي النفسي الذي كان يستمع إلى كل عواصفي وشتاءاتي بكل رحابة صدر، رحلت معها أطباق حلواها التي كنت آنذاك أخالها المر العلقم، رحلت دون أن أعلم أني كنت من يسبب لها الصداع في كل لقاء لكثرة مشاكلي التي كنت أرويها لها وكانت تتابعها بكل تفاصيلها المملة بمحبة وغيرية... تلك كانت جارتي المخلصة المحبة التي أنعم الله علي بها ولم اقدّر جيرتها إلا بعد رحيلها.

السيدة غادة: اشتقت للعب دور الزبونة المحترمة
بينما ذكرت السيدة غادة وهي في العقد الخامس من عمرها نعماً كثيرة تعدّ نفسها لم تنتبه إلى وجودها في حياتها إلا بعد فقدانها، ولكن من أكثر النعم التي كان لها وقع وتأثير بما ذكرته هي شرحها لتفاصيل لا تخطر على البال فقالت: أكره رائحة الملابس الأوربية المستعملة، أكره أكياسهم السوداء، بت أكره شراء الملابس والانكباب على الصناديق المتخمة بألبسة قذرة قديمة، في كل مرة ألبس فيها ملبوساً من المحال المستعملة أتساءل في نفسي: يا ترى هل مازالت صاحبة هذه السترة على قيد الحياة؟ هل كانت تعاني مرضاً عضالاً؟ أهي غنية أم دارت الأيام فألزمتها بيع ملابسها الثمينة كما ألزمتني الحرب على عرض ملابسي وألعاب أطفالي لبيعها في محال البالة بأبخس الأثمان؟ كنت سابقاً أجوب شوارع حلب متنقلة بين كل المحلات التجارية كي أحظى بملابس تقنعني أني ألبس حلّة استثنائية، وفي كل مرة بعد شرائي ملابسي وملابس أطفالي الجديدة  ينشب في المنزل شجار لا تحمد عقباه بيني وبين زوجي أنفّس فيه عن غضب اعتراني لعدم قدرتي الشراء من المحال التجارية ذات الماركات العالمية، فألومه على تقصيره في تحصيل المال، أما اليوم أعيش منتظرة رحمة الله أن يصبح بإمكاني دخول متجر عادي للألبسة الجديدة، أشمّ فيه رائحة المعطرات اللطيفة واقتني الملابس في أكياس ملونة، اشتقت إلى لعب دور الزبونة المحترمة التي تدخل المتاجر أميرة وتخرج منها وزيرة.

السيد أبو علي: لقد بعت وطني حين بعت بيت الضيعة 
الطبيعة.... هي الكلمة الأولى التي نطق بها السيد أبو علي لدى سماعه لسؤالنا وأكمل قائلاً:  كانت فرحتي وعائلتي لا توصف عندما ولجنا إلى شقتنا الجديدة في الحي الراقي بعد أن بعت شقتي القديمة مضافاً إليها بيتٌ وحديقة في قريتي ورثتهما عن والدي...جالت زوجتي في المنزل الجديد تكاد تحلّق من شدّة الفرح وأخذت تخطّط لاستكمال الرتوش الجمالية في زوايا البيت وشرفته منهيةً حديثها بنفس الأسطوانة التي صدّعت بها رأسي سنواتٍ طوال: هذا يدعى حقاً منزلاً لائقاً، لا أدري أيّ قلبٍ متحجرٍ كنت تملكه حين حرمتنا كل تلك السنوات من التمتّع بهذا المنزل فقط كي تحتفظ ببيت «الكراكيب» في قريتك التي لم نجن منها إلا تلك العقوبة السنويّة المتكررة بالإقامة فيها كل صيف ليلتصق وجهي شهراً كاملاً بوجوه نساء قريتكم اللواتي لا زلن يضعن البيض في سلال التبن.....نعم لقد بعت بيت الضيعة أقصد نعمة الله التي أورثني إياها والدي، بعت منزل الحجر العتيق وحديقته التي قُضّت من سندس الفردوس لأبتاع منزلاً في بناءٍ طابقي أُلبس بما يسمى حجراً تطل شرفته على دوّارٍ مروريٍ أدركت بعد حين أنها تبعث على الإقياء من كثرة أدخنة السيارات وضجيجها، لم أستغرق وقتاً طويلاً كي أعضّ أصابعي بنواجذي ندماً، كان مجيء الصيف كافياً لأعرف فداحة الخطأ وأدرك زوال نعمة جنةٍ لا أدري إن كان سينالني منها نصيب في الآخرة بعد أن رفضتها في الدنيا لكنني أحتسب جلوسي في جحيم شرفة منزلي في الحي «الراقي» قصاصاً في حياتي إن كنت من ذوي الألباب، من شدّة حسرتي أنزلت نفسي منازل الخونة .... لقد بعت وطني حين بعت بيت الضيعة .

السيدة رندة: لم أعلم أنّ غول الغربة سيلتهم زاد ذكرياتي مع أخوتي
السيدة رندة في العقد الرابع من عمرها أجابت: نعمة النعم هي لمّة العائلة، أندم على كل لحظة أضعتها بعيداً عن مجلس ضمّ عائلتي كنت أحسبه تحصيل حاصل، فدعوة الغداء التي كان يقوم بتنظيمها والداي ومدعووها هم فقط اخوتي كانت بمثابة العقاب لأنها بالنسبة لي مجرد اجتماع لوجوه ألفتها وألفت «بروتوكولات» اجتماعاتها المرتبطة في داخلي بالضجر والملل اللذين لا يبددهما إلا لقائي بصديقاتي الحميمات، لم أعلم أن غول الغربة سيلتهم مني زاد ذكريات رائعة مع اخوتي، زادٌ كان يكفيني قوت عمري في لملمة جراحاتي ونفض غبار يأسي، من عاش شعور العائلة المتحابة يعي تماماً ما أعنيه، المشكلة أنهم لم يحزموا معهم أمتعتهم فحسب بل أخذوا معهم إلى غربتهم كل أعيادنا بتفاصيلها المبهجة، وحزموا في حقائبهم سهرات صيفنا وضحكنا المجنون في كل ركن من أركان بيتنا، حتى المرض والحزن في غيابهم باتا أكثر ملوحة ومرارة، عندما لوّحت لهم بدموعي قبل يديَّ مودعةً، أدركت في قرارة نفسي حجم النعمة التي فقدتها، وأيقنت أن الصداقة في خطة الحياة تكتيك يزول مهما طال أمده، بينما تضمن استراتيجية الأخوة المتجذّرة لمتبعها ثبات الوقوف في وجه عاتيات القدر مدى الحياة.

السيد أبو طلال: يعجز العطـّار عن استرداد ماسلبه السكري والضغط 
السيد أبو طلال في العقد الثامن من عمره أجابنا: نعيش حياتنا جاهلين أنّ سماً زعافاً يقتات على تفاصيلها الصغيرة فيقتل ببطءٍ روح الشباب فينا دون أن نعلم ولاندرك ذلك إلا بعد فوات الأوان حيث يعجز العطار عن استرداد ما سلبه السكري والضغط والدوالي من جذوة الحياة فينا... أجل نعمة روح الشباب التي لو كنت أملك نصف عقلي الآن حينما كنت شاباً لعشت ملكاً دون الحاجة إلى جاه أو سلطان، ولما ضيّعت قيد ثانية في تفاصيل وهموم صغيرة كنت أعدّها حينها مصيبة المصائب، ولمّا سألناه عن تلك الهموم والمصائب أجابني: سأحكي لك قصة الصياد المكسيكي  المحب للحياة، وطبعاً من ناحيتي أنا من أكثر محبي أحاديث العجائز حتى لو امتدت ساعات طوال فمن الصعب أن يتسلل الملل إلي، أردف أبو طلال قائلاً: هذا الصياد كان يصيد كل يوم ما يبقيه وعائلته على قيد الحياة أي أنه لا يسعى إلا إلى كفاف يومه، وفي كل مساء ينطلق وعائلته إلى شاطئ البحر ويضرم ناراً ويبدأ الرقص والغناء مع عائلته وأصدقائه حتى مطلع الفجر، هكذا دواليك إلى أن حطت سفينة كبيرة على شاطئ قريته الصغيرة وترجّل منها رجل أعمال ثري، شاهد هذا التاجر مهارة الصياد في اصطياد السمك، فعرض عليه صفقة طلب منه أن يقوم باصطياد السمك على متن زورق لحسابه، فأجابه الصياد: وماذا بعد؟ ردّ التاجر: تملك رأس مال تستطيع أن تشتري مركباً أكبر وتصطاد كميات سمك أكثر. – نعم وماذا بعد؟ أجابه: ثم تقوم بتعليب الأسماك وتبيعها بأسعار مضاعفة. - نعم وماذا بعد؟ -تمتلك معملاً للأسماك ويخوتاً وتصبح صاحب قرار يحل ويربط حتى في أعماق البحر. - حسناً وماذا بعد؟ أجابه التاجر على استكبار: وبعد هذا كله تمضي حياتك في الترف تقضيها منعماً هنيء البال مع عائلتك واصدقائك في الحفلات. أجابه الصياد: أفضل قضاء شبابي في حفلاتي هذه على أن اقضيها هرماً في حفلاتك تلك... ضحك أبو طلال مطولاً ثم قال: لا تصدقي رجلاً هرماً يقول ألا ليت الشباب يعود يوماً ووجهه ضاحك لأن حاله كما حالي يقولها وقلبه يقطر ألماً على شباب لم يعش نعمته.

 

السيد عزمي الصوفي: كانت النعمة تستلقي بين يدي وأنفضها كغبار الرفوف
السيد عزمي الصوفي أمين مكتبة متقاعد: يوم بُلّغت بموعد إحالتي إلى التقاعد ترنمت بأغنية (أعطني حريتي أطلق يدي) للسيدة أم كلثوم تعبيراً عن  فرحتي بانعتاقي من وظيفتي الرتيبة البالية كالكتب على رفوفها، كانت تلك حالة طبيعية لموظف لا عمل لديه سوى نفض الغبار عن كتب ورفوف مكتبته، والامتعاض من تكرر نفس الوجوه لمرتاديها الذين كانوا يقضون الساعات يلتهمون فيها حروف الكتب الملقاة بين أيديهم على طاولات المكتبة، طوال سنين خدمتي لم أجد جواباً لتساؤل دار في خلدي: ما الذي يجبر هؤلاء المساكين على قضاء تلك الساعات الطوال أسرى هذه الكتب البالية؟ جاءني الجواب متأخراً جداً بعد استلامي صك حريتي وانفكاكي عن موقع عملي، عشت سنيناً طوالاً أنفض الغبار عن الكتب وأقوم بإعادة ترتيبها دون أن أنال شرف المحاولة في قراءة أحدها هذه الكتب، بل كنت أختلق الأعذار للتهرب من أوقات الدوام الرسمي، كانت النعمة تستلقي بين يدي عشرات المرات في اليوم الواحد فأنفضها كغبار الرفوف، حالياً أنا من أهم الرواد البغضاء لهذه المكتبة كما كنت أطلق عليهم سابقاً، ضحكت حينها وسألته: وهل مازالت أغنية السيدة أم كلثوم تلاحق ترانيمك؟ فأجابني مبتسماً: لا والله أبدلتها بأغنية هاني شاكر (غلطة وندمان عليها).
أخيراً... كما تجرّ الحرب ويلاتها على البلاد والعباد، تجرّ القلم رغماً عنه للكتابة عنها أياً كان المقام ومقاله فإن كان للأقلام مدادٌ جفَّ في تعداد النعم التي كان الوطن ومواطنيه يعيشونها قبل «القارعة وما أدراك ما القارعة» وزالت لتترك المتحسّرين على زوالها إما شراذم في المخيمات أو كراديس في المعارك، أو هائمين في الخضم، أو تائهين في الملمّ، لكن كما الحق لا يضيع مادام وراءه مطالب فإن النعم لا تُفقد ما دام أصحابها رجال الحق به يعرفون ومن أجله يضحّون وفي سبيله يبيدون.