الثـــــــــــورة الإســـــــــــــلامية في إيـــــــــــــران تسعةٌ وثلاثون عاماً من الإنجازات والصمود والمقاومة

العدد: 
9049
التاريخ: 
الأحد, 11 شباط, 2018
الكاتب: 
أ. نــــــادر آزاد (مدير المركز الثقافي للجمهورية الإسلامية الإيرانية في اللاذقية)

إن انتصار الثورة الإسلامية في إيران على أعتى نظام ديكتاتوري عميل، جاء في زمن هيمنت فيه القوى العظمى على دول العالم وتحكمت في مصائرها ونهبت ثرواتها، فكان هذا الانتصار بحق بشارة خير للشعوب المستضعفة، لأنها رأت فيه أملاً في إمكانية القضاء على الظلم والاستبداد والتبعية، والخلاص من آلامها ومآسيها، إلا أن أنظمة الاستبداد والاستكبار أخذت جانب الحيطة والحذر تجاه الثورة وناصبتها العداء، لأنها رأت فيها تهديداً لأنظمتها وعروشها، وقضاءً على مشاريعها وأطماعها.

ولا شك أن البعد العالمي لانتصار الثورة تمثَّل في ظهور تحولات جذرية وأحداث ومتغيرات أساسية في هيكلية النظام العالمي والعلاقات الدولية وتحوُّلٍ في المعادلات السياسية في العالم، وخصوصاً بعد أن أطلق الإمام الخميني (قدس سره) مبدأ (لا شرقية، لا غربية جمهورية إسلامية) إذ نفى عنها التبعية للأنظمة الغربية والشرقية على حد سواء، باعتبارها دولة مستقلة في قرارها السياسي لا تتخذ سياسة الانطواء داخل معسكر ما، ولا تتدخل في شؤون الدول الأخرى، وتعتمد مبدأ الاحترام المتبادل مع بقية الدول والشعوب المستضعفة، مع التزامها بمقارعة المستكبرين والظالمين والدفاع عن المظلومين والمستضعفين، فكانت الهاجس المرعب للولايات المتحدة الأمريكية ولكل الدول والأنظمة التي كانت تستفيد من نظام الشاه. 
لذلك قامت أمريكا والدول الغربية بممارسة شتى أنواع الضغوط لخنق الثورة الإسلامية ومنعها من التقدم وشلِّ حركتها، وقامت بالعديد من المؤامرات لضربها من الداخل والخارج للنيل منها، والتاريخ لا ينسى تدخل أمريكا السافر في صحراء طبس أثناء أزمة الرهائن، وعمالة بعض التيارات لأمريكا، والقيام باغتيالات للعلماء ولقادة الثورة، وممارسة الإرهاب، وغيرها من الأعمال العدوانية ضد نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية،  وعندما لم ينفع كل ذلك قامت أمريكا بتحريض صدام حسين في 22 أيلول 1980 وبدعم غربي وبتنسيقٍ كاملٍ مع بعض الأنظمة العربية ليشنَّ حرباً ظالمة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية بهدف احتلال البلاد والقضاء على الثورة الإسلامية، لكن بفضل صمود الشعب الإيراني وتلاحمه مع قيادته الحكيمة مُنيت جميع تلك المؤامرات والتدخلات والحروب بهزيمة وفشل ذريع لأمريكا وحلفائها.
واستطاعت الثورة الإسلامية وعلى مدى 39 عاماً من عمرها أن تحقق إنجازات كبرى في مختلف المجالات، 
رغم كل ما واجهته من ضغوط و مؤامرات و عراقيل و حصار جائر فرضته أمريكا و الدول الغربية منذ ذلك التاريخ حتى هذا اليوم، ويُعتبر إسقاط النظام الملكي بحد ذاته وإقامة نظام الجمهورية الإسلامية الذي يؤدي فيه أبناء الشعب دورهم في تقرير مصيرهم من خلال إجراء الانتخابات العامة الحرة والنزيهة، وتواجده في مختلف المجالات من أهم الإنجازات التي حققتها الثورة الإسلامية في إيران، وعلى أساسه تم تحقيق بقية الإنجازات، فعلى صعيد حقوق المرأة،  أعادت الثورة الإسلامية المكانة والدور اللائق لشخصية المرأة في المجتمع على ضوء القراءة الجدية للتعاليم الإسلامية حول الحقوق السياسية والاجتماعية للمرأة، حيث وفَّرت الأجواء والأرضيات اللازمة للمشاركة الفعَّالة والسليمة والحقيقية للمرأة في السياسة وفي المجتمع وفي استيفاء الشريحة النسوية لحقوق سياسية واجتماعية تتناسب و النسيج الثقافي والاجتماعي للمجتمع الإيراني.‬
وعلى الصعيد السياسي استطاعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية تحقيق الاستقلال السياسي وقطع دابر التبعية للغرب و التسلط الأجنبي على قرارها السياسي و التحكم بشؤونها الداخلية وحفظ استقلال البلاد على جميع الصعد، و مد جسور العلاقات الطيبة مع كافة دول العالم باستثناء الكيان الصهيوني . 
وأما على الصعيد الاقتصادي فقد حققت الجمهورية الإسلامية في إيران العديد من الإنجازات  ومن أهمها تدعيم البنى التحتية للتنمية، وإعداد الكوادر المتخصصة في المجالات المختلفة وتطوير طرق إنتاج الطاقة وبناء السدود، وتطوير شبكه الطرق والمواصلات والموانئ، وإشاعة مراكز التعليم والجامعات، وإنتاج الصناعات الثقيلة كصناعة السيارات و الجرارات والفولاذ والحديد والنحاس والذهب وغيرها، كما كان الاهتمام على أشده في الحفاظ على موارد الثروات الباطنية مثل النفط  والغاز  والحؤول دون نهبها من قبل الأجانب الطامعين، إذ قام الخبراء الإيرانيون بأنفسهم بكشف واستخراج وبيع النفط دون الاستعانة بالدول الغربية، كما تم طرح مشروع الاقتصاد المقاوم للاعتماد على الذات ومواجهة كافة التحديات وعدم الاتكال على الخارج. 
وأما على الصعيد العسكري فقد بادر الخبراء الإيرانيون في جميع التخصصات الفنية والتقنية إلى العمل على بلوغ درجة الاكتفاء الذاتي على صعيد الصناعات العسكرية الدفاعية ابتداءً من عمليات التخطيط والتصميم وصولاً إلى مراحل الإنتاج والتدشين النهائي  دون الاعتماد على أي طرف خارجي  بهدف الدفاع عن الوطن من أي اعتداء، وقامت الصناعة العسكرية الإيرانية بإنتاج الأسلحة الخفيفة والثقيلة كالدبابات وناقلات الجند والطائرات والصواريخ و السفن الحربية والغواصات.
و دخلت إيران النادي الفضائي من أوسع أبوابه من خلال إطلاق الصواريخ الحاملة للأقمار الصناعية، وإطلاق مركبات فضائية أخرى حاملة لكائنات حية، ومن المتوقع أن ترسل الجمهورية الإسلامية مركبات مأهولة خلال الفترة القريبة القادمة، وإيران اليوم تحتل المرتبة الحادية عشرة على مستوى العالم في مجال العلوم الفضائية،
وتعتبر الدولة التاسعة التي استطاعت إرسال قمر صناعي إلى الفضاء. 
كما حققت الجمهورية الإسلامية إنجازات ضخمة في مجال التكنولوجيا النووية وإنتاج الكهرباء النووية وإدخالها إلى الشبكة الوطنية، وتأتي معرفة التقنية الكاملة لدورة الوقود النووي، التي مكنت إيران من أن تصبح خامس دولة في العالم في هذا المجال ضمن أهم الإنجازات العلمية المهمة، كما حازت إيران على المكانة السابعة عالمياً في مجال علوم النانو، متفوقة على دول كثيرة مثل فرنسا وبريطانيا وروسيا  وتمكنت من أن تحتل مكانة مرموقة في الكثير من المجالات العلمية الهامة الأخرى ومن بينها، الليزر وصناعة الروبوتات، والتقدم الكبير في مجال صناعة البرمجيات وفي مجال الاختراعات، فلقد وصل عدد الاختراعات التي أنجزها العلماء الإيرانيون بعد الثورة الإسلامية إلى ما يقارب الـ 30000 اختراع  في شتى المجالات.
ووفقاً لتقرير مركز تصنيف الجامعات العالمية «CWUR» لعام 2017 فقد أدرجت ثلاث جامعات إيرانية على قائمة أفضل 10 مراكز أكاديمية في العالم وهي جامعة طهران، و جامعة أمير كبير، وجامعة النفط الصناعية،
كما أنه وفق نظام تايمز العالمي لترتيب الجامعات، تتصدر 8 من الجامعات الإيرانية قائمة أفضل الجامعات عالمياً، وأيضاً 8 جامعات شاملة، و10 جامعات طبّية ، و8 جامعات صناعية، وجامعتان غير متمركزتين، ومؤسسة بحوث علمية واحدة من إيران مسجّلة في قائمة أكثر الجامعات ومراكز البحوث المؤثرة عالمياً.
 وحسب تقرير «مؤشر الإبداع العالمي» فإن عدد الطلبة الجامعيين في الاختصاصات الفنية والهندسية كان يعادل نصف العدد الإجمالي لطلبة جامعات إيران في عام 2014 وبهذه الإحصائية أضحت إيران في المرتبة الثانية عالمياً من حيث نسبة خريجي الجامعات في هذه الاختصاصات.
وفي ما يخص البحث العلمي، تشير تقارير المراكز العلمية الدولية إلى أن تطور إيران في هذا المضمار ينمو بسرعة فائقة، وذلك بسبب الاهتمام الكبير الذي توليه الدولة لهذا الجانب، فقد كان في إيران حتى انتصار الثورة الإسلامية 83 مؤسسة للبحوث والدراسات العلمية ، أمّا الآن فازداد عدد هذه المراكز إلى 686 مركزاً، وتمّ افتتاح 177 مركزاً لتنمية العلوم والتقنية ، و39 حديقة للعلم والتقنية ، و12594 مختبراً علمياً تابعاً لوزارة العلوم والتقانة الإيرانية ، وحصلت 60 جامعة إيرانية علی نظامHSE ، وهناك 964 شركة علمية ، و3009 شركات تقانة ناشطة في مجالات العلم والتقنية.
وحسب موقع «اسكوبوس» كان إنتاج المقالات العلمية لإيران قبل انتصار الثورة 440 مقالة، ثم تضاعف هذا العدد بعد انتصارها بشكل هائل حتى وصل إلى 48345 مقالة لتصعد مرتبة إيران في إنتاج العلم في العالم من أقل من واحد بالعشرة آلاف قبل انتصار الثورة إلى 81.1 بالمئة في عام 2016.
وفي المجالات الطبية ارتفع عدد الأطباء من 15000 طبيب قبل الثورة الإسلامية ليصل اليوم إلى أكثر من 111000 طبيب في مختلف الاختصاصات، ما أدى إلى استغناء البلاد بالكامل عن الاستعانة بالأطباء الأجانب. وإضافة إلى ذلك فقد أدت الخبرات الطبية الإيرانية في مجال إنتاج الخلايا الجذعية، وزراعة الأعضاء البشرية الحيوية مثل الكلية، وعلاج أمراض العيون، ومعالجة الأمراض الناتجة عن العناصر الكيماوية، وجراحة المخ والأعصاب، وعلاج أمراض العقم، وترميم الخلايا النخاعية، وعلاج الأمراض المستعصية ومن بينها السرطانات، أدت هذه الإنجازات إلى اجتذاب الآلاف من المرضى من خارج البلاد سنوياً لتلقي الخدمات الطبية والعلاجية داخل البلاد .
وتحتل الجمهورية الإسلامية الإيرانية حالياً المرتبة الأولى في مجال إنتاج الأدوية بين دول الشرق الأوسط من خلال إنتاجها 97% من الأدوية، وتصدر كميات كبيرة منها، وعلى رأسها الأدوية البيولوجية الحديثة، وأنواع اللقاحات إلى خارج البلاد.
أما بالنسبة إلى وجه إيران الفني فليس بحاجة للكثير من الشرح ، لأن النجاحات التي حققتها السينما الإيرانية على المستوى العالمي منعت تغييبه عن الإعلام العالمي، وأصبحت نجاحات الأفلام الإيرانية في مختلف المهرجانات السينمائية العالمية حديث وسائل الإعلام، وآخر الإنجازات الإيرانية في هذا المجال هو إدراج فيلمين إيرانيين ضمن قائمة أفضل الأعمال السينمائية في عام 2017، وهما الفيلم الإيراني «البائع» للمخرج الإيراني «أصغر فرهادي» والفيلم الوثائقي «أحلام الفجر» من إخراج وإنتاج مهرداد اسكويي  وتم اختيار فيلم «البائع» الحائز علی جائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي في عام 2017 ليكون بين أفضل الأعمال السينمائية لعام 2017 .
وتفتخر الجمهورية الإسلامية أيضاً بـ ( معرض طهران الدولي للكتاب ) الذي يعتبر من أهم وأكبر معارض الكتاب عالمیاً، حيث أقيم المعرض في سنة 2017 بمشاركة أكثر من 2700 ناشر محلي وأجنبي، ضمن مساحة 135 ألف متر مربع ، و تم فيه عرض أكثر من 400 ألف عنوان كتاب. 
أما القسم الدولي للمعرض فقد أقيم بمشاركة 139 دار نشر أجنبية من 110 بلدان ، و2643 دار نشر محلية. وقد تم تخصيص 2333 متراً مربعاً لعرض 47234 عنوان كتاب لدور النشر اللاتينية ، و2085 متراً مربعاً لعرض 150144 كتاباً عربياً.
أما على المستوى الإنساني العالمي فقد كان للجمهورية الإسلامية الإيرانية الكثير المساهمات الفعالة والتي يأتي من ضمنها مشروع نظرية ( حوار الحضارات ) للعمل على إيجاد أوثق العلاقات بين شعوب العالم، ولإزالة كافة أشكال التوتر على المستوى الدولي  حيث حاز هذا المشروع الإيراني على قبول الجمعية العامة للأمم المتحدة والبرلمان الأوروبي، واعتبر العام 2001 عاماً لحوار الحضارات. 
وهذا يأتي في سياق النظرة الشمولية التي أسس لها الإمام الخميني رحمه الله لبناء أفضل العلاقات القائمة على أساس الاحترام المتبادل مع دول المنطقة والعالم، فمنذ اليوم الأول لانتصار الثورة الإسلامية تحولت إيران من دولة معادية لجيرانها العرب إلى دولة موالية لهم، وتبنَّت كافة القضايا والمواقف العربية، وخصوصاً فيما يتعلق بفلسطين، فدعت إلى تحريرها وتحرير جميع الأراضي العربية المحتلة، ووقفت إلى جانب محور المقاومة في المنطقة، وقدمت له كافة أنواع الدعم لمواجهة مؤامرات ومخططات الإدارة الأمريكية وربيبتها إسرائيل، ودعمت دول العالم الثالث و المستضعفين وحركات التحرر في العالم.
و كان الإمام الخميني رحمه الله يقول: إن أمريكا الإرهابية بالطبع هي التي أضرمت النار في العالم بأسره، وإن ربيبتها الصهيونية العالمية هي التي ارتكبت لتحقيق أهدافها جرائم تأنف الأقلام والألسن عن كتابتها وذكرها .
 وأمر الإمام بعد انتصار الثورة الإسلامية بطرد طاقم السفارة الإسرائيلية، وجعلها سفارة للفلسطينيين ورفع العلم الفلسطيني عليها، كما أعلن آخر جمعة من شهر رمضان المبارك يوماً عالمياً للقدس، وطالب جميع المسلمين بتنظيم المظاهرات، والإعلان عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني في ذلك اليوم من كل عام مادامت القدس رازحة تحت الاحتلال، بالإضافة إلى تقديم كل أشكال الدعم المادي والسياسي والعسكري للمقاومة الفلسطينية حتى تتمكن من تحرير أرضها المغتصبة، وإقامة دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس الشريف . 
إن هذه الثورة المباركة التي غيرت وجه إيران والعالم ما كانت لتنتصر لولا اجتماع الأضلاع الثلاثة للمثلث الذهبي القائد والشعب والعقيدة ، إنها الثورة التي حررت الشعب الإيراني من براثن التبعية وعهود الظلم والظلام و القمع والاستبداد، وأعادت له حريته وكرامته واستقلاله، وبثت فيه الروح للانطلاق والقيام بدوره الحقيقي في صنع الحياة.  
وعلى نهج الإمام الخميني رحمه الله وخطاه يسير قائد الثورة الإسلامية آية الله السيد علي خامنئي (حفظه الله) ويقود السفينة في خضم الأعاصير والأمواج العاتية ورغم الحصار والضغوط والمؤامرات، يسير بثبات وشجاعة وحكمة ومعه الشعب الإيراني الأبي على دروب الرقي والتقدم والازدهار، حتى تتبوأ الجمهورية الإسلامية الإيرانية المكانة المرموقة التي تستحقها على المستوى العالمي، و تعكس رسالة الشعب الإيراني العريق المفعمة بأريج الخير والمحبة والإخاء للبشرية جمعاء . 


 

الفئة: