كي لايتحولوا إلى أرقام ...مطالبة بلجنة متعددة الاختصاصات وكشف طبي في المنازل

العدد: 
9048
التاريخ: 
الخميس, 8 شباط, 2018
الكاتب: 
سناء ديب
الشروق ليس للشمس فقط، فهناك قامات تعيش بيننا تشرق أيضاً كل صباح وتعلن لنا عن انبلاج النور والدفء والأمن والأمان.
قامات حقيقية لا يشبهها سوى شروق الشمس التي تبدد حلكة الظلام من حياتنا، إنهم رجال الجيش العربي السوري، رجال الله في الميدان، نسمع كل يوم عشرات العجائب والقصص عن بطولاتهم التي تفوق قدرة العقل على التصديق.
بيوت قدمت بصمت إشراقات متتالية على كل حي فينا كبيت العم أبو مازن، فايز محمد سعيد، في قرية بيت سوهين التابعة للقرداحة، أبٌ لستة شباب بعمر الورود، استشهد اثنان منهم في معارك الحق ضد الباطل وأصيب الشاب الثالث إصابة بليغة أدَّت إلى الشلل ونسبة عجز 100%.
تكلمنا معهم واستمعنا بانصات إلى قصص الرجولة الحقيقية التي لا تستطيع الكلمات وصفها أو الإحاطة بها.
قال العم أبو مازن: ربّيت أبنائي كما جميع أبناء هذا الريف الفقير على حب الوطن والسخاء لأجل عزّته وشموخه.. كنت أراهم يكبرون حولي ومعي والسعادة في داخلي لا توصف فرحاً بهم، فهم بالنسبة لي ككل الآباء أحلى حصيلة العمر، وهم المستقبل المشرق للعائلة.
حتى جاءت هذه الحرب اللعينة وطرقت على أرواحنا بشدة، مهددة أمننا وأماننا ومستقبلنا، والأهم وطننا الغالي. وأبنائي الذين تشرّبوا حبّ الوطن ،وأشبعوا منذ الصغر لم ينتظروا من يطلبهم للدفاع عن وطنهم، بل قام كل منهم بالتطوع بالجيش أو الشرطة أو مع القوات الرديفة ليقوموا بواجبهم على أكمل وجه، فاستشهد مصعب في حلب، واستشهد وسيم في حقل الشاعر وأصيب قاسم في حماة، وبقي لي ثلاثة أحدهم متطوع في الفرقة الرابعة والثاني في الحرس الجمهوري والأخير مازال على مقاعد الدراسة. أدعو الله بأن يحميهم ويحمي كل فرد من أفراد جيشنا العربي السوري وينصرهم ويردّهم إلى أهلهم سالمين.
أما الشهيد الحيّ الجريح قاسم فقد حدثنا عن إصابته قائلاً: أنا من مواليد 1994، التحقت بالجيش عام 2012 في الفرقة الرابعة وكانت معظم خدمتي في ريف إدلب في وادي الضيف، وأثناء استشهاد أخي مصعب وذهابي إلى القرية لمشاركة أهلي في تقبل واجب العزاء والتهنئة بشهادة أخي قطع المسلحون الطريق ولم أستطع العودة إلى إدلب، وبعد اتصالي بالجهات المسؤولة عني كلّفوني بالالتحاق بقطعة عسكرية تابعة لقطعتي في حماه وتمت إصابتي في مورك في حماه وذلك في الشهر الخامس 2014 بكتفي الأيمن والعمود الفقري والذي تأثر فيه على الفور ثلاث فقرات، أسعفوني على إثر الإصابة مباشرة إلى مشفى حماه العسكري الذي يشبه كل شيء إلّا المشفى، حيث تمّت فيها الإساءة لوضعي الصحي أكثر مما هو سيئ، حتى إن صديقي الذي أسعفني أخبرني أن أحد الأطباء حاول إعطائي (إبرة هواء) وهي تؤدي إلى جلطة مباشرة لولا تدخل رفاقي الذين أسعفوني ومنعوه بالقوة، ووضعوا لي مفجر صدر غير معقم أدى إلى إيذائي وانخماص بالرئة اليسرى. وعلى الفور قام أهلي بنقلي إلى اللاذقية لسوء الاهتمام والعناية اللذين لاحظوهما إلى المشفى العسكري وهناك تم إدخالي إلى العمليات مباشرة وأزالوا المفجر القديم، وقد غضب الطبيب الذي أزاله غضباً شديداً حيث تبيّن أنه مجرثم ومغلق، ووضعوا مفجراً بعد إحداث فتحة جديدة في صدري ومن ثم أجري لي عملية إسعافية للعمود الفقري وهي عبارة عن تحرير نخاع شوكي لإنقاذ حياتي، وقد تعرّضت لصدمات كهربائية تحت العملية، وبقيت وقتاً طويلاً في العناية المركزة. وقد تكلّفت فرقتي بكافة نفقات علاجي الطبي والفيزيائي بالإضافة إلى أدويتي، ولا بدّ لي أن أشير إلى حسن اهتمامهم في المشفى العسكري باللاذقية بكافة الجرحى وتقديم كل ما يستطيعون للجريح وحسب الإمكانيات الموجودة.
وأنا الآن كما ترين طريح الفراش بشكل دائم لا أستطيع القيام بأي عمل ولا تأدية أي واجب. وقد سرّحت على هذا الأساس بنسبة عجر 100%، أتذوق مرارة العجز كل لحظة غير قادر حتى على خدمة نفسي بنفسي بأبسط الأمور وهذا ما يسبب لي ألماً أكثر وأكبر من ألمي الجسدي.
وعندما سألته عن حلمه أجاب بحزنٍ شديد: أحلم أن أمشي من جديد ككل الشباب، وأن أمارس حياتي الطبيعية، وأضعف الإيمان أن أخدم نفسي بنفسي، نقرأ كي يوم عن تطور الطب وزراعة الخلايا الجذعية لمن هم في مثل وضعنا، وأخبرونا بأن هذ العمليات تجري بسهولة في بعض الدول المتقدمة في مجال البحوث الطبية، نتمنى أن نلاقي الاهتمام بوضعنا، فالشفاء هو حلم كل جريح فينا ونأمل أن يبادلوا تضحياتنا باهتمامهم بوضعنا الصحي وإرسالنا إلى تلك الدول التي تجري عمليات زراعة الخلايا الجذعية، وسنظل متمسكين بأملنا بالله أنه لن ينسانا من رحمته إلى آخر لحظة من حياتنا، وأكبر أحلامنا وأقصاها أن نجد أنفسنا قادرين على السير من جديد والعودة لتأدية واجبنا ومقاتلة أعداء الله الذين حولوا أكثر الشباب في زمننا إلى شهداء أو جرحى.
وهنا تدخّل الأب قائلاً: نتمنى حقاً تشكيل لجنة طبية من القيادة، متعددة الاختصاصات وإجراء الكشف الميداني على جميع الجرحى في منازلهم بشكل دوري وبدون استثناء وعلاج من يمكن علاجه، وتقديم خدمات إنسانية للحالات المستعصية على العلاج، فهؤلاء الشباب يستحقون كل الاحترام ويستحقون أن يبقوا على تواصل دائم مع العالم الخارجي، وألا يتحولوا إلى مجرد أرقام في ملفات كثيرة ترمى في الأدراج، وتساءل الوالد أيضاً باستغراب لماذا لا تمنح وزارة الداخلية لشهدائها كافة حقوقهم مثل وزارة الدفاع، حيث لا يأخذ ذوو شهيد الشرطة العازب سوى نصف راتبه علماً أن عناصر وزارة الداخلية يقاتلون جنباً إلى جنب مع عناصر وزارة الدفاع. فلماذا هذه التفرقة في إعطاء ذويه مستحقاته كراتبه مثلاً؟
بدورنا ننقل أمنيات وتساؤلات هذا الأب العظيم إلى السادة المعنيين، ونشاطر قاسم البطل حلمه الجميل متمنين حقاً أن يصل الطب إلى هذه المرحلة المتطورة القادرة على تحقيق حلم قاسم ورفاقه.