بيـن الأجيـال

العدد: 
9046
التاريخ: 
الثلاثاء, 6 شباط, 2018
الكاتب: 
محمد صخر حيدر

أمر عادي جداً، أن تلتقي ثلاثة أجيال مع بعضها بعضاً. لكن ما هو ليس عادياً، أن تتساوى المسافات فيما بين هذه الأجيال. والمسافات هنا، لا تعني عدد السنوات الفاصلة بين جيل وآخر. ومن أجل مزيد من التوضيح، نحن هنا أمام جيل من عشرينيات القرن الماضي يليه آخر من جيل خمسينياته، والأخير من جيل تسعينياته.
لو استعرضنا بدايةً، العلاقة بين ابن العشرينيات و أبيه، فسنرى أن الزمن بينهما غائب. فالعلاقات ثابتة وواحدة، غير قابلة نحو التغيير أو النقاش. هي نتائج مجتمع ما زال حبيس التقاليد، ومعطيات الحضارة التي لا تظهر مفاعيلها بشكل واضح. أما العلاقة بين عشريني وخمسيني، فإن الأمور والعلاقات تبدأ بالتعقيد، فثلاثون عاماً مضى، طرأت فيه تحولات وتغيرات. وتزداد المسافة بين الجيلين العشريني والخمسيني، فالأول نتاج مجتمع مقيد كما ذكرنا، وما يزال يسكنه التشنج ورفض الجديد، والثاني فتح عينيه على دنيا جديدة في كثير من مناحي الحياة ومعطياتها. وعندها تصعب التوليفة بينهما، وتزداد المسافة بين الجيلين الخمسيني والتعسيني. فالثاني فتح عينيه على عالم انقلب قياساً بالزمن الماضي، مئة وثمانين درجة. فتح عينيه على الكومبيوتر والموبايل وأكثر معطيات التكنولوجيا تعقيداً، ما افتقده جيل الخمسينيات. وأكثر من ذلك فإن ابن جيل التسعينيات، راح وهو لم يتجاوز الرابعة من عمره، قادر على أن يتعامل مع التكنولوجيا، بمنتهى السهولة!
نحن جميعاً مررنا في هذه المراحل، ونذكر إلى الآن، علاقاتنا مع أبنائنا وآبائنا وأجدادنا، وطبيعتها.
سُئلت مرة، كيف تجاوزتُ المسافات الشاسعة، بيني وبين أولادي. وكانت إجابتي هي أن سلوكي مع أبنائي، بنيته على الهواجس والتطلعات التي كنت أعيشها، إضافة إلى ما شاهدته من العلاقة التي كانت قائمة بين والدي وأبيه، هذا من ناحية. ومن ناحية ثانية استفدت كثيراً من مطالعاتي والتصاقي الإيجابي بالعالم بالإذاعة والتلفزيون، إضافة إلى أنني امتثلت إلى ما قاله الأقدمون، بأن أبنائي هم أبناء الحياة، والحياة لها ناموسها، ولا يستطيع أحد أن يسيطر عليه. والناس هنا، يعني تقلبات الحياة وما يطرأ عليها من تطوير.
سُئلت ثانية، فَطُلب مني مزيدٌ من الإيضاح، عن تنشئتي أولادي، تنشئة أنا راضٍ عنها وسعيدٌ بها، فأجبت، ببساطة: كل ما هو جميل ومثالي، لم ألقن أولادي به، بل تمثلتُه مع أسرتي وأصدقائي. ولأنهم – أي أولادي- هم أبناء الحياة، وحصة الحياة منهم أكبر من حصتي، تركت لهم أن يصارعوا الحياة بأنفسهم. لكنني كنت الحكم الذي يُحَكِّمُ ذاك الصراع!
     

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة