قمامة السكن العمالي بين البلدية ومحافظة طرطوس

العدد: 
9028
التاريخ: 
الخميس, 11 كانون الثاني, 2018
الكاتب: 
كنان وقاف

أهلاً وسهلاً بك في السكن العماليّ بطرطوس (مشروع العبة والرويسة)، ستقولها بصوت منخفض لكل راغب في زيارتك، أو ستقنعه بملاقاتك إلى بداية السكن لتدله على الطريق بحجة أنها ضاحية جديدة ، وقد  يضل الطريق إليك فتأخذه بماراثون بحري لعل وعسى ينشرح صدره لنسيم الشاطئ الملاصق فينسى لاحقاً ما سيزكم أنفه حد الإغماء، وحين يكون بيتك مطلاً على إحدى مروج النفايات المنتشرة بعبق فظيع ، ولا يمكنك الهروب منه سترفع ألف دعاء لرب السماوات والأرض كي لا تغزوك الجرذان التي غُذيت وعُلفت بمزابل أسطورية لتتضخم بحجم الأرانب وتسير مختالة بأسراب كبيرة وثقة عظيمة جعلت مواء القطط (العدو الطبيعي) يختفي نهائياً. في الصيف اكتفِ بمروحتك أو مكيفك وخلال ساعات التقنين الكهربائي لا تغامر بفتح نافذتك أو لا تفكر بذلك حتى، اختنق بصهد الحرارة واستحم بعرقك تحت نير الرطوبة العالية أرحم بألف مرة من أن يهاجمك البعوض بشراسة رهيبة تحس فيها أنه مالك البيت الفعلي وأنك المحتل المغتصب لحقه فلا ذنب له إن صودف ووجد بيتك ضمن نطاق مزابله الخاصة. 
في الشتاء يزداد الوضع سوءاً حين ترى السيول المتشكلة من الأمطار تجرف معها أكياس القمامة وتنثرها بلوحة فسيفسائية رائعة تجعل هذه الضاحية بكاملها مزبلة كبيرة.
يتبادر إلى ذهنك أن أصحاب الشكوى من السكان يبالغون في وصف الحال المتردي لتلك الضاحية وتسول لك نفسك الشكاكة أن تختبر ذلك شخصياً، جولة قصيرة لشارع واحد وستكتشف الكارثة، في شارع لا يتعدى طوله المئة متر هناك عشر مجمعات قمامة عشوائية يتوضع أغلبها في منتصف الطريق وبعضها يقطعه تماماً، نسد أنوفنا ونكمل الجولة إمعاناً منا في إراحة الضمير كي يكون ما نكتبه نابعاً من قوة الحق وموثقاً برؤيا العين وشم الأنف، مساحة المدينة العمالية لا تتعدى كيلو متراً واحداً طولاً ومئتي متر عرضاً استطعنا إحصاء أربعة وستون مجمع قمامة لا يتم إفراغه إلا كل يومين وبشكل جزئي ليبقى القسم السفلي المتعفن وعصائر القمامة موجودة لوقت طويل تحت أشعة شمس تشكل بيئة مناسبة للتكاثر السريع لجميع أنواع الحشرات والقوارض وما لا حصر له من الأوبئة والأمراض. 

 

  لاشمانيا 
 مدير مركز الشهيد علي حبيب علي الصحي استقبلنا بإحصاءات مرعبة عن انتشار اللشمانيا بشكل سريع وخصوصاً في فصل الصيف وأفادتنا السيدة لمياء راشد مسؤولة مركز اللشمانيا عن وجود 45 حالة إصابة في سنة واحدة متابعة من قبل المركز وعدد الحالات التي تعالج في عيادات خاصة يقدر بأكثر من مئة حالة في حين كانت الإحصاءات السابقة حالة واحدة كل ست سنوات والسبب الأوحد لهذا المرض هو البعوض حصراً والذي يجد ضالته هنا. وأفادنا مدير المركز بأنه ناشد رئيس البلدية مراراً وتكراراً وبإلحاح شديد لمعالجة موضوع القمامة وما ينتجه من أمراض ولكن لا تحرك يذكر.
رئيس البلدية والمشهد التمثيلي 
غسلنا أيدينا ووجوهنا وتعطرنا بعد أن تعشقت الرائحة الزكية بأجسادنا وتوجهنا للقاء رئيس بلدية حصين البحر الذي تقع الضاحية العمالية ضمن نطاق خدماته، ويبدو أن الخبر وصل إليه قبل وصولنا بطريقة ما (ربما لرؤيتنا من أحد عماله نأخذ الصور التذكارية) وتمت استضافتنا بشكل ملفت قبل أن يدخل عليه عمال النظافة ويوجه لهم تعليماته الصارمة بضرورة جمع القمامة لمرتين متتاليتين في الأيام المخصصة وأن التهاون غير مسموح به وأنّ وإنّ وكل الحروف المشبهة بالفعل في مشهد تمثيلي محاولاً إقناعنا ببذله جهود جبارة وفوق مستوى القدرات البشرية والكونية، ربما دخلنا صلب الموضوع ونقلنا الشكوى وأصبنا بعدها بالملل والنعاس من كثرة المبررات (بعضها محق) وبمجملها تتعلق بعدم استجابة المحافظة لطلباته كتخصيص جرار ثان وعمال إضافيين أو حتى مخصصات مالية ووقود وأضاف بأن محافظة طرطوس وجهت إلينا طلباً بتخديم المنطقة منذ ثلاث سنوات ووعدتنا بأن تزودنا بالمتطلبات اللازمة ولكن ذلك لم يحدث فقمت باقتطاع جزء من مخصصات المناطق الأخرى رغم تأثير ذلك على مستوى الخدمات فيها وهذا أقصى ما أستطيع تقديمه وحين طلبنا منه تزويدنا بالكتب التي تثبت مناشداته للمحافظة إبراء لذمته تحجج وتعلل وماطل.
في مبنى المحافظة 
إحقاقاً للحق وإبعاداً لأي شبهة ظلم لأحد وضعنا الشكوى برسم نائب محافظ طرطوس السيد علي بلال ونقلنا له تبرير رئيس بلدية حصين البحر، فأجابنا أنه في حالة السكن العمالي ونتيجة اكتظاظه بالوافدين من المناطق الساخنة تم تخصيص إعانات إضافية فوق المخصصات السنوية المحددة قانوناً وذلك لتلافي مشكلة النظافة كظاهرة عامة في المحافظة وخاصة في المناطق التي أتخمت بالوافدين ليصار إلى جعل الخدمات في مستوى الجيد على الأقل، وقد كلف أحد معاونيه باطلاعنا على كافة الكتب ومحاضر الجلسات ذات الصلة ومنها قرار المكتب التنفيذي رقم 13 لعام 2017 والذي صرف بموجبه إعانة بمليون  ليرة لإصلاح الآليات الموجودة وإعانة شهرية بمقدار 150 ألف ليرة لاستئجار جرار إضافي وإعانة إضافية بقيمة 100 ألف ليرة لمرة واحدة لاستئجار (بوبكات) جرافة صفيرة لتفريغ التجمعات، ورداً على مناجاة رئيس البلدية بنقص أعداد عمال النظافة لديه تعهدت المحافظة بدفع رواتب تسع عمال موسميين لحل المشكلة ولكنه لم يقم بتوظيف أي عامل.
كلمة أخيرة 
أثناء إجراء هذا التحقيق تم الاتصال برئيس البلدية لتبيان حقيقة ادعائه بتقصير المحافظة من قبل مسؤول البلديات والوحدات الإدارية في المحافظة فأنكر أقواله لنا، وهنا نوضح أننا لا ندين ولا نعفي الطرفين من المسؤولية، كما لا ندين ولا نعفي أيضاً ساكني المنطقة من الإهمال في وضع القمامة بأكياس محكمة الإغلاق والتقيد بساعات الإلقاء المحددة، لكننا ننقل واقعاً لا يمكن اعتباره سيئاً لأنه تجاوز ذلك فأصبح تماماً، واقعاً مزرياً.
 

الفئة: 

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة