فحـّم عليها تنجلِ

العدد: 
9028
التاريخ: 
الخميس, 11 كانون الثاني, 2018
الكاتب: 
خديجة معلا

 نحن أكثر من يجيد التباكي على الأطلال، نحرق غاباتنا، وبعدها نقف متحسرين على كل عرق أخضر احترق قبل أن يصيبه اليباس.
 نرى الحرائق ولا نشتَّم رائحتها إلا بعد أن يتصاعد منها الدخان الأسود.
 نضع مراقبين حراجيين يغضون بصرهم عن عورة التفحيم، يهمسون في آذان المخالفين أن استتروا إن ابتليتم بمعصية الاحتطاب الجائر فللَّيل عيون تتلصص تخبر عنَّا، وعنكم.
 وبين المراقب والمفحِّم أهليّة محليّة، فالمراقب قد يكون قريب المفحِّم أو ابن قريته، وقد يمتهن هو نفسه التفحيم. فالحال من بعضه والأسباب المخففة لأي جرم هي ضيق ذات اليد، وهو كغيره لديه أفواه جائعة تريد أن تشبع، ونحن الآن ما زلنا في محيط القرية، حيث السنديانة والبلوطة والشوحة والزعرورة التي يقصف ساقها وتخلع أغصانها دون استحياء.
غير أن هذا التصرف الفردي لا يلبث أن يتحد مع مجموع من اعتداءات كليَّة ليتحول إلى أشبه بتجارة عامة، لها معتمدوها ومسوقوها إلى مستودعات ومحال جملة ومفرق و ..
 وزارة الزراعة أخذت الطريق من قاصرة ومشت في ركب مراقبيها، واشترت هي الأخرى راحتها مسلمة بالأمر الواقع، بأن أصدرت مع نهاية العام الفائت القرار رقم 244 الذي حددت فيه أسعار ما أسمته بالمنتجات الحراجية من دون أن تخبرنا الوزارة بسرّها العميق عن شرعية هذه المنتجات، ولا سيما لخشب السنديان «تحديداً»، الذي ذكره متن القرار صراحة، إذ لم نسمع عن سنديان صناعي محاكاة بالصنوبر الصناعي الذي لو اكتفى القرار بتسعيره لما كان أثار حفيظة أحد.
 نعلم أن ورش إعادة تأهيل المناطق المحروقة كانت قد سمحت للأهالي المقيمين قربها التزود ببقايا الجذوع المحروقة لزوم استخداماتها المنزلية، وهذا فتح الباب على مصراعيه لتجاوزات يختلط فيها الحابل بالنابل، وتضيع معه الضوابط.