قراءة في ديوان ( تسافرين في مدار مقلتي) للشاعر نعيم علي ميـَّا

العدد: 
9028
التاريخ: 
الخميس, 11 كانون الثاني, 2018
الكاتب: 
نعمان ابراهيم حميشة

الإبداع ليس حكراً على أحد، وهو منظومة مشرعة النوافذ والأبواب، والأدب هو  فن الملاحظة والمقدرة على تطويع الخيال وصياغة الأفكار واستخلاص العبر، وهو ضمير المجتمع غايته الارتقاء بالإنسان والحياة ويُظهر علاقات الأفراد ببعضهم البعض، والنص الأدبي انعكاس لِما يحمله الشاعر من أفكار تخاطب الحياة بروحها وكائناتها.
الشعر الذي يواثب الأذن بمبتكراته ورنينه  فيذهلها ويطربها يظل دون شيطان عصيِّ- قصيٍّ صعب المنال، فهو كائن حي متطور متجدد يرضع من الحلمة الإلهامية المخبوءة في العقل، وفي كل يوم يطالعنا بالجديد كونه يصور نوازع النفس البشرية وما يعتريها، لأنه مرتبط بحركة الحياة، والحياة كلها متغيرة متبدلة لا ترسو على بر، ولا تستقر على حال.
الكلمة الصادقة تعبر كل البوابات المغلقة لتصل إلى النفوس وتلامس شغاف الروح . . . نعيم علي ميّا شاعر يمتلك الوعي والثقافة، أحاط به الحزن بويلاته وكل قصور الأماني التي شيدها طارت مع السافيات الذاريات، فأوجعه، وأوجعنا عليه، ترك لحزنه العنان متمرداً- صرخاً- غاضباً حتى لتشعر بأن كل كلمة من كلمات ديوانه التي تخرج من الشفاه كقبل ناعسة تشهق وتنشج وتبكي حتى صارت الدموع على وجهه كأنها حوض ماء بلا قاع.
(تسافرين في مدار مقلتي) قصائد تنبض بالروح والحياة، و كرنفال من الحروف البهية والمفردات المشتعلة بلهيب الحزن ، المنسوجة بكلمات معبرة عن الأشواق واهتزازات الوجدان والخيال المشبوب بالألم، الموشَّى بالحيرة والقلق، أحلى من الشهد وأسلس من الماء، والتي تلمع مثل الشرارة في الظلام وسط شتاء عابس داكن كالح.
الأنثى محور الحياة، ولا لائحة في الحب، فهي كتلة من العواطف والمشاعر والفتنة التي تزداد إبهاراً، ومن المستحيل على الرجل الحياة بدونها، يتغلغل حبّها إلى طوايا النفوس فتخفق القلوب الهامدة وتسرح في بساتين الأماني، وتثور العواطف الخامدة وتتفتح ورود الحياة وتورق المشاعر وتلتهب الأشواق، وعندما يتقاذفه الحنين يتدفق نهر الذكريات كالدموع التي تمضغ القلب ويتَّقد الهوى كجمرة في الروح وغصة في الحلق، لا يخضع لفعل الطبيعة ودورة الفصول:
أنا المتيَّمُ في هواكِ . .
عبرتُ شوككِ حافياً. .
ونسلتُ من كعبيهما إبراً. .
تقلقل مضجعي /ص.30
ما أصعب اليأس عندما يستبد في النفس وتتراكم أشلاء الحزن كالجثث الموبوءة ( تسافرين في مدار مقلتي) بيدر حزن تبعثرت حروفه على أصنام الكلمات، لا شيء سوى رائحة الحزن التي لا تنام، الشاعر غصه اليأس ولآلت نواجذه الرؤى، فمن يفك طلاسم حزنه المريع المعشعش في نفسه وينتشله من قيعان اليأس ومذبح الأمل المغدور الذي يحطم سفينه ويمزق أشرعته، والصدأ الذي يتراكم على الروح. .وكأنه يرفع يد الفيلسوف إميل سيوران تأييداً الذي قال : لا حاجة بكَ للموت على الصليب، فقد وُلدتَ مصلوباً):
أنا موجةٌ . . تتنهد الحسراتُ فوق . .
جدار زرقتها
يحاصرها سوادٌ باحثٌ..
عن شاطئ.. لا رملَ فيه / ص96
يدعو الشاعر للدفاع عن الوطن وتقديس الشهادة والشهداء الذين يرتقون وهم منتقبون كالسرو، متجذرين كالسنديانة التي لا تهزها ريح هوجاء غادرة، والتصدي للخونة والعملاء الذين تحولوا إلى وحوش بلا عقول، الذين يريدون تقسيم الأمة إلى مذاهب وطوائف وحارات وشوارع، حتى صارت مشاهد الموت مألوفة في الصحراء والقرى والمدن العربية بفعل الإرهاب الذي بعثر القبور، والأشلاء والدماء التي تتناثر على الأعمدة والجدران:
وحْلٌ يشتِّي في بلادي . .
والضحايا. . بايعت . . أحزانها . .
كل القبور تبعثرت . .
وأنا .. تعبتُ من الرثاء على الرثاء / ص81 
لا يوجد كائن بشري لا يعرف معنى الألم، فهو جزء من الحياة يتسلل من كل حدب وصوب، ومن لم يعرف الألم الحبيس المتأجج في الصدر لم يعرف نكهة الحياة . . الشاعر يكابد هماً يغلق القلب وينهش الحشاشة، وتعشعش في ذاكرته سحب دكناء، يحملق في فراغ الليل لكي يطرد الوساوس من مخيلته حتى ينام، بعد ما طارت الأحلام وبقي الحزن معربشاً على أضلاع الصدر وصار القلق واليأس لباس أيامه القسري الباهت:
قلقي . .
يلبسني عبر الليالي . .
ودموعي . .
أغنياتُ الدن في زهور البلاء . .
فمتى يشرقُ في جفنِ الدجى . .
صبحُ الرجاء؟ / ص69
ديوان (تسافرين في مدار مقلتي) قصائد منثورة ترنو للقاء الحبيب، تدندن لحناً رخيماً طازجاً على مقام الحزن وحب الوطن، وينتهي الديوان ولا تنتهي محنة الشاعر، ولا يأتي يوم اللقاء . . الذي نأمل أن يكون على صفحات الديوان القادم.
 

الفئة: